ثقافية

أثـــر كفّـــي البكــاء علـــى الأطــلال فــي قصيــدة أكــلّ هــذا الحزن لـــي؟

 داود سلمان الشويلي

 
 ( الجزء الاخير )
 
ليقول ما لم يقله الشاعر الجاهلي عن بكائه وهو ينظر الى اطلال الحبيبة تلك في المقدمة الطللية التي يمتاز بها الشعر العربي القديم ، كمعلقة امرئ القيس ، ومطلعها : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل ومعلقة طرفة بن العبد ، وزهير بن أبي سلمى ، و عنترة بن شداد ، و عمرو بن كلثوم ، وغيرهم من الشعراء. اراد الشاعر من هذه القصيدة ان تكون القصيدة التي يخاطب بها اطلاله ( نفسه ) ، كما خاطب الشاعر العربي القديم حبيبته من خلال مخاطبة اطلالها، في مقدمته الطللية. القصيدة بوح حزين وشفيف في البحث عن الكينونة بعد ان ضاعت بفقدان العمر وتسرب اعوامه ، وطرح لمجموعة من الاسئلة التي تصطاد فرح حياته (وسؤالٍ يصْطاد بانْحناءةِ استفْهامه أغْنياتي) ، فتأتي لا كما طرحها الشاعر العربي القديم على اطلال الحبيبة ، والبحث في بقايا الضعن واثاره ، بل انها اسئلة تطرح ليس مآلها فقط الكينونة بل ما هو خارجها ، سؤال عن علاقته بالاخر كما كان الشاعر العربي القديم يطرح اسئلته. والسؤال الذي ما انفك شاعرنا يطرحه هو : ( أكلّ هذا الحزْنُ لي؟) وهو يثير الدهشة والتعجب من هذا الحزن ، وفيه يتساءل الشاعر: – هل عادت خيولي الصاهلة من رحْلة العشقِ متْعبة الحوافرِ ؟ – هل جفّت غيومي ؟ – هل غابَ القمرُ بعْد أسْبوعٍ من آخرِ صلاةٍ! اسئلة يطرحها الشاعر وهو يخاطب الاخر / نفسه ، كما خاطب الشاعر العربي القديم اطلال حبيبته ،بمخاطبته لصاحبيه، او صاحب الرحلة ،عله يجد جوابا شافيا لها بعد ان مرت الاعوام به وعادت خيوله متعبة ، وجفت غيومه ، وغاب قمره. ان الحزن الذي ( تنضح) به الابيات الاولى من المعلقات هو الحزن نفسه الذي ( تنضح ) به قصيدة (اكل هذا الحزن لي ؟)، حزن المفاجأة المدهشة ،الانبهار الاولي في الصدمة الاولى الذي يفضي به الى ان يعيش حالة الدهشة. يتساءل الشاعر : ( أكلّ هذا الحزْنُ لي؟) ، ويظل تساؤله هذا يتكرر في القصيدة خمسة عشر مرة سؤالا كاملا وواضح العبارة ، فيما يتكرر ثلاث مرات بصورة غير واضحة ، ناقص العبارة (أكلّ هذا؟). هذا السؤال لم يكن تساؤلا عن حال ما ، وانما هو تقرير لحالة الحزن الذي يعيش فيها والتي كان غافيا عنها واستفاق عليها . الحزن الذي اتاه من شعور قاتل بان خيوله الصاهلة قد عادت ( من رحْلة العشقِ متْعبة الحوافرِ، ومن جفاف دموعه ، و غياب القمر بعْد أسْبوعٍ من آخرِ صلاةٍ). السؤال الذي يطرح : لماذا وصلت به الحال الى ذلك ؟ المقطع الاول لم يبين لنا لماذا ؟ لانه جاء بصورة دعاء الى الاله والى سليمان النبي ، اما زليخة فتبقى هي وحدها المالكة لمفاتيح القلب. * ((وجْهُ زليْختي وحْدهُ يمْلكُ مفاتيحَ القَلْب)). وفي المقطع الثاني يتحدث الشاعر عن نفسه وعنها ، حيث هي تمسك باناه هو ، وتلهب خاصرته ، وفوق كل هذا : * (( إنّ التّعاسةَ ربحُكَ فلا تلْهث كثيرًا وخُذْ غيْماتُكَ والعَصافير لا تُوهم نفْسكَ لا أحدَ يصْعدُ معكَ بسفينَتكَ لن أكونَ لك زوجًا من اثْنين)). وفي المقطع الثالث ، وبوجود السؤال ذاته (أكلّ هذا الحزْنُ لي؟) بعد ان غير الزمن ملامحه فصبغ شيبه، يبقى هو وخطوة العاشق الذي سبقه يحلم بزليخة وعشيقها يوسف. * (( إنّ فاتنتي زليْخة وإنا يوسُف الذي تصلي له أعْمدة المعابدِ إحْسدوا حزْني لعلّه ينْقلب فرحًا)). في المقطع الرابع ، حيث يبدأه بتساؤله ذاك ، يحلم في ان يحمل غيمة فيها فراسات ، وفي ان يكون سنبلة ، وهو ينام على فراش من الصبار الشوكي ، الا انه ياتيه صوتها ان لا يحلم كثيرا، وتطلب منه ان يعود الى غيمته التي اتى منها ، لقد انتهى الحلم ليستفيق على الحزن . * ((أحْملُ غيْمتي وفَراشاتي إليْكِ – لا تحْلم كثيرًا – باذخٌ هو الحلُم)). وفي المقطع الخامس يطرح السؤال نفسه ، ويقدم نفسه على انه ( المزهو) بالحب ، فياتية صوتها : * ((فكان الصوْت يأتي إنّكِ أنْتِ حوْل مدارِه فكنْتُ أبْحرُ صوْب الحزْن في صخَبِ المجْداف المكْسور أيّتها الحَرْب)). وفي المقطع السادس وبالسؤال نفسه، يفتتح المقطع برثاء روحه ، وقلبه وما الت اليه ايامه ، اذ ما زال قلبه (ساحة) للانتظار. * ((أنا الرّوح التي أضاءتْ خطْوةً عتّقها الخُلود لتزْرعَ بسْتانها حنّاء تُشير للْتّيهِ بديلًا للْعناق)). * ((أنا قابضٌ بالقلْب وهي ترْسم بالفُراغ)). وفي المقطع السابع نصل الى حافة العمر وصوتها ما زال يقول : * (( وأنا لم أجد في آخرِ الحلُم غير إبْرةٍ فارغةٍ لمْ أسْمع دعاءً أنْزلتْهُ السّماءُ لذراعِها ولمْ يصلْني منْها غيْرَ زفيرٍ نفَختْه وقالت كلّ شيْءٍ لكَ إلّا أنا)). بعد هذا التحليل لمقاطع القصيدة ، نتساءل هل قصيدة على لفتة سعيد هي قصيدة نثر باشتراطات سوزان؟ وهل الشاعر غادر الموقف الطللي الى موقف اخر اعتمده في قصيدته هذه ؟ كانت قصيدة ( اكل هذا الحزن لي ؟) قد استثمرت اشتراطات قصيدة النثر بالوحدة الموضوعية لكنها خرجت عليها لتبدع ذاتها في تكرار والالحاح على طرح السؤال ( اكل هذا الحزن لي ؟)، وفي تنوع الحالات التي مر بها الشاعر ، وتنظيم هذا الكم من التنوع. واذا كان الشعراء الطللين يخاطبون صحبهم ومنهم الى الاطلال فقيدة ( اكل هذا الحزن لي ؟) راحت تخاطب النفس ببوح شفيف ، هادئ ، بوح الروح الى الروح ، فكانت هذه القصيدة . نقلت لنا هذه القصيدة وجع الشاعر الذي مر عليه الزمن لا كما مر على الاخرين ، لقد مر عليه وهو على بينة منه ، يعرف حدود تأثيره عليه .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان