موشي بولص موشي
هَاتَفَنِي وَلَدِي فِي صَبَاحِ يَوْمٍ صَيْفِيٍّ قَائِظٍ وَأَنَا مُتَمَتِّعٌ بِإِجَازَتِي الدَّوْرِيَّةِ،رَاجِيًا أَنْ أَرْتَدِيَ ثِيَابِيَ عَلَى عَجَلٍ وَأُهَيء نَفْسِيَ لِمُقَابَلَةِ صَدِيقٍ لِي غَابَ عَنْ ذَاكِرَتِي عُقُودًا أَرْبَعَةً، وَهُوَ بِانْتِظَارِي عَلَى مَأْدُبَةِ غَدَاءٍ فِي دَارِ أَحَد أَقْرِبَائِهِ،رَافِضًا بِإِصْرَارٍ ذِكْرَ اِسْمِهِ لِئَلَّا يُفْسِدَ عَلَيَّ الْمُفَاجَأَةَ!.وَلَجْتُ الدَّارَ وَإِذْ بِشَخْصٍ فَي الْعَقْدِ الْأَرْبَعِينِ مِنَ الْعُمْرِ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ تَحْتَ أَشِعَّةِ شَمْسِ آبَ الْحَارِقَةِ، شُبْهَ عَارٍ وَقَدْ غَطَّى رَأْسَهُ بِمِنْشَفٍ مُتَّـقِيًا ضَرْبَتَهَا.حَالَمَا رَآنِي اِرْتَدَى ثِيَابَهُ عَلَى عَجَلٍ،َتَبَادلْتُ وَإِيَّاهُ التَّحَايَا،ثُمَّ تَوَجَّهْنَا نَحْوَ الدَّاخِلِ.تَجَاذَبْنَا أَطْرَافَ الْحَدِيثِ بَعْدَ مَأْدُبَةِ غَدَاءٍ مُحَاوِلًا بِشَتَّى الطُّرُقِ إِعَادَةَ ذَاكِرَتِي إِلَى مَرْحَلَةِ الدِّرَاسَةِ الْابتِدَائِيَّةِ،لَمَّا عَجِزَ عَنْ شَحْذِهَا تَوَقَّفَ عَنِ الْكَلَامِ وَالْتَزَمَ جَانِبَ الصَّمْتِ مُفْسِحًا أَمَامِيَ الْمَجَالَ لِأَدْلِيَ بِدَلْوِي.
سَأَلْتُهُ عَنْ طَبِيعَةِ عَمَلِهِ،أَوْضَحَ أَنَّهُ يَعْمَلُ نَادِلًا فِي أَحَدِ الْمَلَاهِي الْلَّيْلِيَّةِ،فَبَعْدَ بُضْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ وُصُولِهِ بِلَادَ الْمَهْجَرِ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَتَخَلَّى عَنْ طِفْلَيْهِ لِيُمَارِسَ حَيَاتَهُ حُرًّا طَلِيقًا فِي بَلَدٍ يَحْتَلُّ الْمَرَاتِبَ الْعُلْيَا ضِمْنَ التَّرْتِيبِ الْعَالَمِيِّ لِحُقُوقِ الْإِنْسَانِ!،مُسْتَغْرِبًا فِي الْوَقْتِ عَيْنِهِ عَنْ سِرِّ بَقَائِيَ فِي هَذَا الْبَلَدِ “الْكَارِثِيِّ”حَسَبَ زَعْمِهِ!.قُلْتُ لَهُ:
أَحْمِدُ اللهَ أَنَّ أُسْرَتِي مَازَالَتْ تَحْتَ خَيْمَتِي مُتَمَاسِكَةً،وَعَمَلِي يَسِيرُ عَلَى خَيْرِ مَا يُرَامُ،وَإِنَّ الْقِيَمَ الْأَخْلَاقِيَّةَ الْمُتَأَصِّلَةَ مَازَالَتْ رَاسِخَةً فِي الْمُجْتَمَعِ حَامِيَةً إِيَّاهُ مِنَ التَّفَكُّكِ وَالْانْحِلَالِ.شَكَرْتُهُ عَلَى دَعْوَتِهِ لِي وَاسْتَأْذَنْتُهُ بَالْمُغَادَرَةِ وَفِي دَوَاخِلِي رَغْبَةٌ عَارِمَةٌ بَالْبَصْقِ فِي وَجْهِهِ الْكَالِحِ الْمُقَزِّزِ.









