كتاب الحقيقة

مكتسبات الديمقراطية

الثقافة الديمقراطية في مفهومها العميق لا تنشأ في بلد ما الا على الإيمان المسبق بأهميتها لدى القوى السياسية وماتجلبه من مشاركة واسعة وحقوق مدنية لأفراد المجتمع، ولهذا ترفضها الأنظمة الشمولية التي لا تأبه لمجتمعاتها بقدر ما تسعى الى البقاء كسلطة حاكمة ومهيمنة بشكل مطلق، وطبيعة الديمقراطية الناشئة في العراق قامت على مبدأ التوافق وهذا ليس خرقاً لماهو معمول به في الأنظمة العالمية، فثمة دول ناجحة ومستقرة تنعم بهكذا نمط ديمقراطي مثل سويسرا وبلجيكا والنمسا وغيرها، والفارق الذي يمكن تأشيره في الحالة العراقية هو غياب المشروع الوطني وغلبة الهويات الثانوية كما هو معروف، الأمر الذي أساء للعملية الديمقراطية وأفرغها من مضمونها الحقيقي، وأبقى على الكثير من المشكلات دون حل، ولولا ذلك لكنا اليوم نشهد تحولات مهمة ولكان العراق خارج دائرة الأزمة التي تفاقم فيها الفساد والإرهاب .وفكرة تحقيق الديمقراطية في أي بلد من بلدان العالم الثالث هي فكرة طموحة ولا ريب ، لكن تحققها ممكن باشتراطاتها التي لم توضع للأسف في رؤية القوى السياسية وممارساتها العملية داخل منظومة السلطة، في الوقت الذي كان عليها أن تضع الخطط المستقبلية فيما يتعلق بمصلحة الدولة وبناء مؤسساتها، وأن تتحمل مسؤولية المحافظة على مكتسبات الديمقراطية، وترسخ داخل المجتمع ثقافة الحوار واحترام مبدأ التعايش وقبول الآخر كشريك في المواطنة، إذ لا يمكن للديمقراطية أن تصبح حقيقة واقعية الا حين تصبح سلوكاً عملياً وليس خطاباً يتردد في الإعلام أو على لسان السياسيين .

إن الرؤية التوافقية في العراق اليوم تواجه تحديات حقيقية لأنها لم تجد مناخها الثقافي الملائم الذي تعمل فيه ، ولأن الكثير من السياسيين عندنا لم يدركوا بعد حقيقة أن النجاح في هذه التجربة أكبر بما لا يقاس بنجاحاتهم المحدودة والمتعلقة بحزب أو كتلة، وأن العراق يمكن أن يتسع لجميع أبنائه إذا توفرت الإرادة والرؤية الوطنية التي تجنب العملية السياسية حالة التشرذم والتوترات داخل المشهد السياسي، ويكون الانتصار على الإرهاب سبباً لعهد مختلف يجلب الأمل لجميع العراقيين لا أن يكون بداية لأزمات مبعثها محاولة الاستئثار بالسلطة، والتخلي عن مبدأ المشاركة الوطنية الذي يضمن ديمومة العمل المشترك بين جميع القوى السياسية، وبإمكان الانتخابات القادمة أن تسهم في تجاوز الكثير من الأخطاء وتفتح الباب أمام المشاريع التي تعطلت فيما مضى ، وبخاصة أن جميع القوى باتت تسعى لاستقطاب الناخب العراقي وفق برامج جديدة تتلاءم مع تغير الأوضاع واندحار الإرهاب، ولعل في مشاريع إعمار المدن المحررة التي وضعتها الحكومة على رأس أهدافها القادمة، وإعادة النازحين مناسبة لخلق البيئة المشجعة على المضي في الانتخابات من أجل الحفاظ على مكتسبات الديمقراطية، والخطوات التي اتبعتها الحكومة في سياساتها أكدت للجميع إمكانية تحقيق المشروع الوطني الذي يطالب به غالبية العراقيين ، ويسعون الى تحقيقه عبر الانتخابات والمشاركة فيها .  

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان