استطلاع وتحقيق/ الحقيقة
( الجزء الاول )
يوم حزم عبدالله امتعته وغادر بلاد الاندلس. كان العرب يدركون ان مع دموع الملك الضليل، ان لا عودة لما كان. وكانت والدة الملك الذي سمح له بتدخل بابوي ان يصحب معه حقيبة ملابسه ودفتر صكوك، اكتشف بعد حين في منفاه بالمغرب انه من دون رصيد. وعندما ارسل فاكسا الى المصرف الاندلسي في مدريد، اخبره البنك: انه كان يودع اموالاً سقطت قيمتها في السوق وان اليورو هو ما متداول اليوم وليس الدينار الاندلسي الذي طبع عليه عبدالرحمن الداخل نخلة اتى بها من الرصافة، وعمامة يقال انها عمامة جده عبدالملك بن مروان.لهذا فضل عبدالله ان يعيش حياة الكفاف وان يبيع كل اسبوع جارية من جواريه لكي يعيش. ورغم ان الملك المغاربي الحسن الثاني وبعده ولده محمد قد اجريا له منحة من بيت مال المسلمين. لكنه كأي مستبد منفي كان يصرف ببذخ، وكان مثل شاه ايران يوم كان منفيا في قاهرة المعز يوصي بخياطة عباءته او طربوشه من دار كرستيان ديور الباريسية. ويبدو ان المنافي لا تغير الملوك. لكن منفى عبدالله وهو اول ملك في التاريخ يطرد من ملكه بطريقة لائقة. كان منفى فيه شيء من الحسرة. فالرجل سلم دولة كاملة على بياض وتلك اول سابقة واتى بعدها احفاده وتعلموا منه ليسلموا دولهم على بياض ايضا. كانت والدته معه وقد عاشت عزلة ان تكون امام ملك محبط. وهي مثل امهات كل الملوك يدركن خفاء البلاطات لهذا وبأمر صارم قالت له: ساصفعك عندما اراك تبكي مرة اخرى. ويقال ان عبد الله منذ تلك اللحظة ظل يرسم على وجهه ابتسامة باهتة تشبه صفار البيض. البلاد التي غادرها ملكنا المفدى تسمى اليوم مملكة اسبانيا، التي تفكر وفق رؤى سعت الى ادارة قفاها لكل الذي كان وكل الذي جعل من التاريخ القريب لاسبانيا تاريخا استعماريا قاسيا. وما تركته مذابحها للسكان الاصليين في المكسيك وثلثي مدن اميركا الجنوبية لتأكيد ان الملكية الاسبانية كانت تفكر بعقلية الدم وشيء من الغموض الكنائسي المغلق. لذلك لم يكن استعمارها موفقا ولم يدم سوى قرون قليلة جراء الفعل الشعوبي المضاد لهذه القسوة المفرطة. ولكنها كثقافة سعت الى ايجاد شيء من الهوية المسيحية الصرفة في تأثر واضح بالتراث العربي الاسلامي الذي ترك شواهده الروحية والفكرية والعمرانية في اهم الحواضر الاسبانية ومنها قرطبة واشبيلية وطليطلة ومالقة وباقي المدن الاخرى التي ضمت في تراثها مشهدا حضاريا ارادت اسبانيا ان تبعده عن ناظرها بشق الانفس الا انها لم تستطع، وظل الهاجس العربي يمشي بموازاة الهاجس الاسباني خصوصا في الشعر وادب الحكايات المحلي.ويبقى القرن العشرون والذي قبله قرنا الثقافة الاسبانية الكونية التي حدثت وجودها وفق الموروث الادبي الذي تركه سيرفانتس وبدأت الذات الاسبانية تحاول ايجاد شكل للروح الاصلية التي ينبغي ان نجدها وسط الهتافات المتعالية في شوارع مدريد ان نجعل من الامة الاسبانية واجهة للمسيحية العظيمة وان لا نفرط بما ملكنا من مستعمرات حيث كتب اسقف كاتدرائية مدريد في بدايات القرن: ان الروح الاسبانية دفعت بكولمبس ليكتشف العالم الجديد. هي ذات الروح التي تحرسها العلا الالهية لتحكم العالم من سانتياغو حتى بحرالعرب.ورغم هذا حاولت المملكة الاسبانية ان تنأى قليلا عن الصراعات الاوروبية رغم انها دخلت مع فرنسا في اكثر من موقعة وكان في اغلبها الهزيمة فعوضت عنها بسياسة المصاهرات التي ابقت حدود الالب بين البلدين هادئة حتى لحظة العبور الجماعي لعشرات الالاف من الجمهوريين يوم استطاع فرانكو ان يقتل الجمهورية ويبعدها عن المسرح السياسي ليبدأ حكما ديكتاتوريا منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى وفاته في سبعينيات القرن نفسه. لانه ايضا في هذا النأي صنع دولة حديثة مقتنعة بفكرة زوال المستعمرات. ورغم قمعه القاسي لكل التيارات اليسارية وادبها الا ان الذات الاسبانية جزءا من ثقافة العالم المتميزة وحرصت على ان لا تقطع صلة الارث الروحي الذي يشدها بالثقافة العربية عبر انشاء دور النشر التي تهتم بذات التراث.









