نعيم عبد مهلهل
( الجزء الأول )
إنها ازلية الرؤى التي مسحت باجفان الضوء والكلمة والشعور على باطن الذاكرة الانسانية وصنعت صدى النص الشعري الأول، هذا الذي الذي يمضي الى المنتهى لكي يجد في جمالية اللحظة تجديدا للوجود.وقديما كان الشعر يوازن اللحظة المطلقة في جعل البشر اكثر اقترابا من الفردوس. وهو ما ظل قائما حتى زمن متصوفة بغداد ودمشق وبخارى والشرود الذي سكن عمر الخيام ليقول: ان لحظة غيبة دائمة لاتعود إلا مع حنان القصيدة. عودة رسمت شكلا ميتافيزيقيا للرؤيا التي قاد على هداها المتصوفة حربهم مع الذين يعيبون عليهم انهم يغيبون من ادنى لحظة حس. وكانوا يجدون في المكان ذائقة لبدء المعركة من خلال اناشيدهم لمحاكاة من يودوه من نقطة (دكة)الجامع وصولا الى النقطة المضيئة في العلا القصية. وكان الشعر هو سهامهم التي يطلوقنها الى هناك مقيدين بفكرة مشعة ونداء منغم مع نبضات قلوبهم فصنعوا صيرورتهم من ذلك الاحساس الكبير الذي مكنهم ليكونوا اباطرة لتشتت الروح المضيئة بالهيام والغرام والتودد. انهم يكتبوه ليكونوا مغامرين اشداء للتوثب من اللحظة الحارة الى الفورة المشتعلة باثر المكان والزمان والخاطرة. وهو ماصنع منه الفلاسفة رؤاهم وحكمهم واستنتاجاتهم لخلق المسار المفترض للمشي البشري الصحيح. وحتى قيل ان الفلسفة في رسالتها الخالدة وجدت من الشعر وقود ومضة العبارة الدالة. وربما ما كان ينصح فيه بياجيه مرضاه عندما يصل الى درجة اليأس قوله:اذهبوا الى سونيتات شكسبير.
ظل الشعر حارس الفنار والابدي المهيمن على شواخص الزمن. وكان منذ ان هبطت حواء بمحفة الدمعة مع بعلها ادم (ع) يمثل الحاجة لتكون رغبة نمت بعد حين لتصير رسما على جدار كهف ثم حجرا لبناء بيت ثم صولجانا لتنصيب ملك ثم كاسا نذريا لاقامة قداس في المعبد. انه اذن بدء التحولات والهاجس الاول لصناعة المعنى في الشعور. وكان اهل سومر قد تركوا ماثر وجدانهم على الالواح على شكل قصائد فولدت الاساطير ومضت تبشر برؤيا الحاجة للوجود القائم والخالد. وحتما ملك اوروك في سيره الطويل الى نبتة الحياة كان ينشد شعرا ليتصبر على وعورة الطريق واهواله وبعد المسافة. ويظل الشعر يسعى لتبرير خلق الوجود بهذه الفنتازية المتعددة الصور والسابحة في أنواء فضاء نتعلق به كبندول برج الكنيسة ولا يشدنا إلى نقطة الثبات سوى قانون الجذب، وهو (أي الشعر) صانع ماهر لما تريد أن تنتجه دواخلنا المكونة أصلا من مجموعة أحاسيس قابعة في زاوية ما وتنتظر لهذه الوثوب إلى الضوء حيث يتنظرها عنوان عريض لشاهدة قول يطلق عليها اصطلاحا (القصيدة).
يشغل الشعر مساحة الذهن دون تواجد كتلوي أما هو مجرد رؤية لتخيل مشهد أو وقيعة أو ردة فعل إزاء ما نتعرض له، وهذا الأشغال لا يتواجد عند الجميع، أنما حافز التملك متوارث بقدرية طبيعية تنمو مع الموهبة والمثاقفة وهناك ما يدعوه أرسطو (المحفز القادم من العلا) وما يعتقده محي الدين ابن العربي أنه (المؤثر الساطع، وجوده فن، وصناعته جنون، وفي النهاية نحن له بسجود لأنه مصنوع وليس مطبوع، ومن صنعه الذي أوجد فينا هذه اليقظة) وحتما هو يقصد اليقظة القدرة الإلهية كما يقصد ذلك الفيلسوف أرسطو.





