ثقافية

الروح السردي وأدوات الترقيم والمقومات الاخرى في الق.ق.ج….فحص إجرائي

داود سلمان الشويلي

 

تنهض القصة القصيرة على مجموعة من المقومات الخاصة بها، وكذلك،فإنها تمتلك مجموعة من المميزات التي تميزها عن باقي الفنون الادبية،والسردية ،والقصصية. وفي هذه الدراسة سنقدم فحصا اجرائيا لهذا النوع السردي استنادا الى خصيصة يمتاز بها وهي “الروح السردي”الذي يتلبس نماذج نصوصه.

في دراسة لي عن(القصة الومضة)بعنوان(القصة الومضة…التنظير والانجاز” نصوص القصاصين الثلاثة انموذجا”) نشرت في الصحافة العراقية عام 2014، تحدثت فيها عن “القصة الومضة”التي أنشأ لها ثلاث قصاصين شباب مجموعة الكترونية بعنوان (نادي ذي قار للقصة الومضة)واجروا مسابقات اسبوعية عنها،قلت فيها ان هذا النوع الادبي يتميز بمقومات،هي: 

– التكثيف والتركيز(في اللغة والحجم والافكار).

– الايحاء(في اللغة والافكار).

– المفارقة الحاملة للخاتمة المدهشة.

وايضاً نشرت بعض الدراسات العربية عنها،منها الدراسة المعنونة (مقومات قصة الومضة.. وقراءة للنصوص المشاركة) التي نشرت في موقع(جسد الثقافة)،وفيها تحدث كاتبها عن القصة الومضة التي عنوانها(مصدر رزق)كمثال اجرائي للدراسة تلك:((وقف الصياد السابق و الموظف حاليا بشركة التحلية, ينظر لقاربه الذي قام بثقبه متعجبا, فمع انبثاق الماء بقوة منه إلا أن حوافه كانت تبرز أكثر فأكثر حتى وصل لقاع البحر الذي جف تماما.)).

فقال عنها:((هذه قصة ومضة،مكثفة,وموحية,ومبنية على المفارقة,ونهايتها مدهشة )).

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو:ما الفرق بين “القصة الومضة” و”القصة القصيرة جداً “؟

هذا ما ستجيب عنه هذه الدراسة في السطور القادمة.

***

بين يدي الدراسة ثلاثة نصوص قصصية،احدها من الشعر، والنصوص الاخرى من السرد.

النص الاول:

كتب الشاعر والباحث محمد الخالدي سطورا يمكن ان تقرأ على انها “ومضة شعرية”،او ان تقرأ كـ”ومضة قصصية”،أو ق.ق.ج.،حيث لم يجنسها الشاعر/الباحث عند نشرها:

((زرعونا .

في حقولِ الحروبِ..

فأينعتْ دماؤنا..

سنابلَ وشهداءْ)).

هي كأي ما ينشر على انها ق.ق.ج.،او ومضة شعرية،الا انها لاتمتلك الروح السردي،وهذا ما يفرق بين الشعر والسرد،وانا اعرف كاتبها،وهو شاعر،وله ديوان شعري مطبوع بعنوان “ذاكرة الماء”،وايضا ًفيها مفارقة،الا انها مفارقة شعرية،لامفارقة قصصية.وكذلك فإنها تأتي بصيغة الجملة الشرطية،وجوابها.

النص الثاني:

للقاص اثير الغزي، الذي يقول فيه:((اِشتُهِرَ بالخيال، نعتوه بالجنون)). 

النص الثالث:

((وقف الصياد السابق و الموظف حاليا بشركة التحلية, ينظر لقاربه الذي قام بثقبه متعجبا, فمع انبثاق الماء بقوة منه إلا أن حوافه كانت تبرز أكثر فأكثر حتى وصل لقاع البحر الذي جف تماما.)).

النص الرابع:

ابدعه القاص عبد الرزاق السويراوي بعنوان(تماهي):

((وحيدا… وجد نفسه في صحراء .. كان سواد ليلها كقطعةِ فحمٍ أسطورية ونجوم سماواتها قلادةُ لؤلؤٍ ملكية .. بدأ يرهف السمعَ بتركيز شديد , لأصوات تتناهى لأذنيه كأنها تأتيه من عالم قصيّ .. وإذْ نأى بخوفِه جانباً , أجهدَ كلّ مجسّاته لتحدّد له مصدر الأصوات .. ” ربّاه ما هذا ؟؟ ” . إنها تأتي من ذرّات رمال الصحراء اللاّمتناهية … وكانت إناثُها تغازلُ ذكورَها , نهض , وقد عزم هو الآخر على البحث عمّنْ يغازلها )).

بين النصوص الاربعة فرق كبير،ليس هو الحاصل بين الشعر والنثر،وانما هو في البناء لكل نص من هذه النصوص،وفي المقومات او الاركان.

في المثالين الاول والثاني،أي بين النص الشعري،الومضة الشعرية،وبين نص الومضة القصصية،نجد ان بناءهما واضح،وبين للعيان.

النص الاول مبني بناء شعرياً،انه منصب في قالب الومضة الشعرية المتعارف عليها،وهو البناء العمودي ذو النكهة الشعرية،فيما النص الثاني مبني بناء الومضة القصصية،وهو البناء الافقي الذي يحمل النكهة القصصية، وهذه النكهة هي ما يمكن ان نطلق عليها “الروح السردي”،او”الروح الشعري” حتى وان لم يكن بوزن او بدونه.

واذا وضع النص الاول “الومضة الشعرية” في قالب الومضة القصصية،وغيّر قليلا في علامات الترقيم،وجعلها هكذا((زرعونا في حقولِ الحروبِ..فأينعتْ دماؤنا سنابلَ وشهداءْ))لما وجدنا أي فرق بين النصين،إذ انهما يعدان من جنس القصة الومضة،القصة التي تبنى بشكل خبري(من جملتين خبريتين او ثلاث).

فالنص الثاني يخبرنا بخبر:

– اِشتُهِارَ بطل النص بالخيال.

 وخبر:

– ان الاخرين:ينعتونه بالجنون.

والنص الاول يخبرنا بخبر ان الاخرين قد:

– زرعونا في حقولِ الحروبِ.

– فأينعتْ دماؤنا سنابلَ وشهداءْ.

ومن الطريف ان يكون شخوص النصين  :”الاخرين”و”البطل” مفردا او جمعا.

اذن هما متشابهتان،جمل خبرية،مفارقة ادهاشية. وكذلك يتشابهان في البناء. 

النصان جاءا بصيغة جملتين مترادفتين،وعلى خط افقي واحد. 

اما الفرق الذي كان بينهما عندما كانا على شكل نص شعري،والاخر نص سردي،فقد كانا يضمهما بناءان مختلفان، البناء الشعري،والبناء القصصي.

 النص الشعري بني بناء شعرياً،واستعملت فيه ادوات ترقيم خاصة بتنظيم النص  الشعري،فجاء بناؤه شعرياً:

((زرعونا .

في حقولِ الحروبِ..

فأينعتْ دماؤنا..

سنابلَ وشهداءْ)).

فيما النص السردي اتبع بناء سردياً،واستخدمت فيه ادوات ترقيم خاصة بتنظيم النص النثري،السردي،فجاء بناؤه بناء سردياً،قصصياً:

((زرعونا في حقولِ الحروبِ..فأينعتْ دماؤنا سنابلَ وشهداءْ)).

ان ادوات ترقيم النص لها تأثير كبير اثناء سماع النص الشعري،المكتوب على شكل قصيدة النثر او “ومضة شعرية”،إذ انها تجسد وتجسم النص الشعري حسب ايقاعاته المنظورة،والمخفية.

اما في النص السردي/القصصي:

((اِشتُهِرَ بالخيال،نعتوه بالجنون))،فإن عمل ادوات الترقيم يختلف عنه في الشعر اثناء سماع النص،و تأثيرها قوي وفاعل في سرد النص.

***

 بين النص الشعري الاول،و النص الثاني السردي،وبينهما وبين النص السردي/القصصي الثالث،اختلاف بيّن وواضح،اضافة للايقاع،وادوات الترقيم،والبناء، والمفارقة،والادهاش المتولد في النهاية.

هذا الاختلاف يتوضح اكثر في الحركات النصية ذات الافعال التي يضمها كل نص من هذه النصوص.

في النص الشعري يوجد فعلان ينشئان حركتين نصيتين،هما”زرعونا”و”اينعت”. وفي النص السردي يوجد”اشتهر”و” نعتوه”، وكل فعل منهما يؤدي الى انشاء حركة نصية(شعرية او سردية).

اما في النص الثالث فيوجد “وقف”و”ينظر”و”ثقبه”و”انبثاق”و”تبرز”و”جف”، فهذه مجموعة من الافعال، او ما يفيد الفعل،تؤدي الى ست حركات نصية”سردية”، وفي بعض النصوص تكون اقل او اكثر،الا انها لا تكون في حركتين،عند ذاك يمكن عد مثل هذه النصوص،هي من نصوص “القصة القصيرة جداً”،ولا يمكن عدها”بالقصة الومضة”التي تمتاز بحركتين سرديتين،او ثلاث، مكثفتين اشد التكثيف،من ناحية البناء، واللغة،والصور.  

***

وبينهما وبين النص الرابع بون شاسع،الا انه لا يمكن لاحد منهم ان يرمي الاخر خارج عالم القصة القصيرة جداً، الا انه يستطيع ان يرميه خارج حقله النوعي ، فالنص الرابع هو من نوع (القصة القصيرة جداً) ، والنص الاول الذي تغير من “الومضة الشعرية”الى “الومضة القصصية”، والنص الثاني كذلك،فكلا النصين هما من نوع (الومضة القصصية).

النص الرابع اضافة لما يملكه من روح سردي،وبناء متكامل،ومفارقة ادهاشية،وافعال، وشخصية، وجميعها بينة وواضحة،فهو يحوي على الوصف،وعلى الزمان والمكان،الا انه كان قد صب في حجم ليس كما صب فيه النص الاول والثاني ، انه اطول منهما، وهذا احد الاسباب التي جعلته والنص الثالث يختلف عنهما، ويكون من نوع القصة القصيرة جداً،وليس من نوع “الومضة القصصية”.

*** 

ان من”يحس”و”يشعر”بهذا”الروح السردي”هما كاتب النص والمتلقي على السواء،لان كاتبه هو الذي يصيغه الصياغة التي تجعل منه نصاً شعرياً،او نصاً سردياً،حسب مرجعيات ذاكرته الابداعية النشطة.

وكذلك،”يحس”و”يشعر”به المتلقي لانه يقرؤه،ويستقبله،يتلقاه كنص شعري،او نص سردي،حسب مرجعيات ذاكرته هو.

***

ان الذي تريد هذه السطور التأكيد عليه في فرز هذه الانواع الثلاثة عن بعضها،هو “الروح السردي” الذي يشبه النسغ الصاعد في النباتات،أي امتصاص المواد الغذائية من التربة لاكمال عملية البناء الضوئي، ان هذا النسغ يسري داخل ممرات مخفية لا نحس او نشعر بها الا من خلال نمو النبات واخضراره.

ومن خلال فحص”الروح السردي”هذا في نصوص الدراسة،استطعنا ان نفحص المقومات الاخرى ،كالبناء، والمفارقة،وادوات الترقيم،مع العلم أن الدارسين لم يتفقوا على تحديد عدد المقومات،او الاركان،او العناصر،او المميزات،التي تكون لهذا الجنس الادبي.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان