وسط ظروف جوية قاسية تصاحب العمليات العسكرية الدائرة في عفرين، صاحبتها هجمات معاكسة نفذتها القوات الكردية، يبدو واضحاً اليوم أن الرئيس التركيّ يتبنى خيار التخلي عن التسوية السلمية للقضية الكردية في تركيا، والدخول في جولة قتال جديدة مع الكرد فيها، بتجاهل تام لمعطيات ونتائج الصراع الذي امتد عقوداً، وانعكس سلباً على الدولة والمجتمع التركيين، غير أن ما يغيب عن ذهنه هو عجزه عن التقرير والتنفيذ، في صراع تشارك فيه قوى عظمى وكبرى لها فيه مصالح مباشرة أو غير مباشرة، تسعى لتحقيقها وحمايتها، وأنها لن تمنحه موافقة مجانية ما لم يتناغم موقفه مع هذه المصالح ويخدمها، وبعض هذه المصالح تتعلق بملفات تركية داخلية.
أبرزها القضية الكردية، غير أنه يلعب ورقة دفع الفصائل الخاضعة لرعايته إلى المشاركة في مؤتمر سوتشي خدمة لموسكو، وكان حريّاً بأردوغان مواصة التسوية مع كرد بلاده، وقد تخلوا عن مشروع الانفصال، وقبلوا بحل حقوقي داخل الدولة التركية، وأنجز اتفاقاً ينهي هذا الصراع المرير، ويلعب دوراً إيجابياً في حل القضية الكردية في دول الجوار، عبر تحقيق سابقة متوازنة ومقنعة لكل الأطراف. الموقف الإيراني من العملية يتسم بالغموض ويكتفي بمراقبة تداعيات المشهد، فهي مع كل عمل من شأنه تقويض أحلام الكرد القومية والانفصالية، خشية انتقال شرارات العدوى إلى الداخل الإيراني، كما أنها ترتبط مع روسيا وتركيا، بالتزامات وتفاهمات في سياق مساري أستانا –سوتشي، إضافة إلى ارتباطها مع تركيا بعلاقات ثنائية اقتصادية وستراتيجية وثيقة، وهي بحاجة لإدامة هذه العلاقات وتطويرها، وعلى وجه الخصوص مع تلويح البيت الأبيض والكونغرس بفرض عقوبات جديدة على إيران، بعد انتهاء التمديد الأخير لرفع العقوبات الذي وقعه ترامب قبل أسابيع. أما فيما يخص الكرد، فإن الواضح أنهم سيدفعون مرة أخرى، ثمة خذلان الأصدقاء والحلفاء.
فقد ذهب كرد سوريا بعيداً في طموحاتهم، بصرف النظر عن عدالتها أو شرعيتها، واداروا ظهورهم للاعبين الإقليميين في المنطقة ظناً منهم أن ظهرهم محمي، والأرجح أنهم سيلدغون من الجحر ذاته مرة أخرى، والمؤكد أن الخسارة الكبرى في هذه المواجهة، ستكون من نصيب الكرد، وبالمقابل فإن المؤكد أن ليس ثمة رابح في هذه الحرب، لأن هزيمة كرد سوريا، لا تعني نهاية المسألة الكردية، لا على المستوى الإقليمي، ولا على المستوى القومي الخاص بكل دولة من دول الانتشار الكردي الأربع، وسيتعين على حكومات هذه الدول، البحث عن حلول سياسية منصفة للأمة الكردية، التي تقاسمت مع أمم المنطقة الأخرى الحياة والتاريخ والحضارة، ولن يفضي استبعاده إلا إلى تهيئة التربة لجولات لاحقة من الحروب المتناسلة، وليس في ذلك مصلحة لأحد في هذه المنطقة. ظن الكرد أنهم باتوا رقما صعبا في المعادلة السوریة الجدیدة، وبحيث يستحيل تجاوزهم لكن ما كان قائماً قبل العملية التركية لیس ما سیكون بعدها، سواء َتواصل الاجتیاح التركي، أو توقف عند نقطة معینة، وتراجعت جيوش أردوغان بعد تسليم عفرين للجيش الحر، أو إذا نجحت موسكو في إقناع انقرة بالتخلّي عن دورها في محافظة ادلب، كي ِیواصل الجیش السوري، تقدَمه السریع والناجح في أریاف حلف الجنوبیة وحماة وادلب، لیعید المحافظة إلى كنف الدولة السوریة ویطِهّرها من الجماعات الإرهابیة، التي لم یصطدم بها الجیش التركي ولو مرة واحدة، ما يعكس حجم الاتفاق بينهما على الأهداف، وبحيث یكتشف كرد سوریا متأخرين أنهم أقاموا خرائطهم وخطابهم السیاسي على أوهام سوقتها واشنطن عليهم لتوظيفهم في خططها الرامية إلى عرقلة التسویة السیاسیة للأزمة السورية.





