كلنا نعلم علم اليقين أن الموت حق، وندرك جيدا أن بالموت تفنى الأجساد وترحل الأرواح الى عليين، وبمعطيات كهذه، ينتهي وجود من نحبهم في يوميات حياتنا، ولعل الحب هو الآخر يبدأ بالتلاشي بحكم تراكم سنين الفراق، وننسى حينها من عايشناهم ردحا من الزمن، وهذه سنة الحياة.
لكن، رب سائل يسأل عن السر الذي يجعل عشق العراقيين مازال قائما لشخصية رحلت الى بارئها منذ أكثر من نصف قرن. ورب سائل آخر يثير بسؤاله عن تلك الشخصية أسئلة أخرى تحتاج الإجابة عنها صراحة وجرأة وواقعية. والإجابة عن الأسئلة جميعها يتطلب معرفة تلك الشخصية ودورها في الحياة، تلك هي شخصية الزعيم عبد الكريم قاسم.
لم يكن هذا الإنسان مختلفا عن باقي البشر من معيته في حياته العامة والخاصة والمهنية، فإن أردت القول بنزاهته، قد يستوقفني أحدهم ويقول أن هناك من هو نزيه مثله آنذاك -واليوم كذلك- وإن أردت الإشادة بوطنيته، يستوقفني آخر بالإشارة الى نخبة من الوطنيين، يزخر بهم تاريخ العراق الحديث والمعاصر والقديم. أما لو تحدثت عن سلوكياته وطبائعه وشمائله وخصاله، فسأستوقف نفسي بنفسي، ذلك أن مجتمعنا العراقي شهد له التاريخ ويشهد، عن كم الشخصيات التي تتحلى بالصفات الحميدة، والتي تنوء بحمل اسمائها أسفار الأزمنة والعهود التي تتالت على المجتمع العراقي.
إذ بادئ أي متحدث عن الشخصيات المميزة التي وطئت أقدامها العراق سيكون حتما الإمام علي (ع). والحديث عنه لاتحتويه مقالات ولاكتب ولامجلدات. والى يومنا هذا مازالت أمهات العراق ولادات لعراقيين باتوا مضرب الأمثال في الخصال السامية والحميدة في كل البلدان.
كذلك تندرج في صفحة الشخصيات المميزة صور مشرقة جميلة أخرى, لرجالات اعتلوا كرسي السلطة، وتسنموا مهام أعمالهم، ووضعوا أمام حدقات عيونهم مصلحة البلاد والعباد، وعدّوها رسالة مقدسة أوجبوا على أنفسهم تأديتها بكل أمانة وإخلاص.
لكن الحديث عن الـ (زعيم) يأخذ شكلا آخر، فمن حيث التوقيت، أصبح هذا الرجل هو الرجل الأول في الدولة العراقية، في منتصف قرن شهد نصفه الأول حربين عالميتين طال شررها واكتوى بنارها العراق. كما انه صعد منصة حكم صنعها بنفسه، ولم تأتِه بها حكومة بريطانية او أمريكية. كما جاء في وقت لم يمضِ على العراقيين سوى أربعين عاما من تحررهم من احتلال العثمانيين، وانضوائهم تحت العلم البريطاني بمسمى الملكية، على الرغم من سعي شخصيات وطنية للانسلاخ من سطوة بريطانيا على العراق آنذاك.
أما من حيث السيرة؛ فالزعيم كان معروفا من القاصي والداني، بما لايقبل الشك عن ولائه التام والمطلق للعراق والعراقيين، ولم تدخل بحساباته يوما عائدية المواطن العراقي الدينية والطائفية والقومية والعرقية والعشائرية، كما لم يستل سيفه ضد من انتمى لفئة او حزب مادام في خدمة العراق. ولم يحمل قلبه ضغائن وأحقادا حتى لمن حاربوه وحاولوا قتله، بل على العكس فقد رفع شعار: عفا الله عما سلف، فنالوا من لدنه ما لا يستحقونه من التقدير.
أما المهنية؛ فحسبنا في تحليه بها ما أنشئ في مدة حكمه -القصيرة جدا- من عمران وبناء وإسكان وتخطيط سليم، مازالت معالمه شاخصة امامنا، ومازال العراقيون يتفيأون بظلال إنجازاته على الأصعدة النفطية والزراعية والصناعية والاجتماعية والتربوية والصحية.
بكل ماتقدم من وصف، أمن المعقول أن يبقى عشق العراقيين للزعيم سرا؟ ولمن أراد إيضاحا أكثر، ودراية أوسع، ورأيا أصدق عن سيرة الزعيم ومهنيته ونزاهته، فليتوجه الى عامة الناس من البسطاء، وألسنة الشرفاء من محبي العراق، هناك يجد الإجابة الحقيقية والصادقة بكل شفافية.
aliali6212g@gmail.com





