ثقافية

الإسلام الثقافي .. من تفكيك الظاهرة الى نقد المفاهيم

عبد الغفار العطوي 

 

 و يشكل قوة طرد و نبذ لهم لايستطيع استيعابها  هؤلاء ،لكن الإسلام ليس كذلك  ، منذ ان ظهر بداية القرن السابع الميلادي و احتضنته صحراء العرب القاحلة المنعزلة و برز بين بدو رحل يصارعون الحياة بشظف العيش ، بالقتل و السبي ، و الإغارة على بعضهم البعض ، حتى لم يصدق العالم المتحضر أيامذاك المحيط بصحراء العرب أن هذه الرمال تخفي كنزا عقائديا سيهز عروش الدنيا منذ ان بدأ يتمدد خارج نجد ، و لم يلتفت إليه و هو يحكم على استحالة خروج عقيدة مدنية من كثبان رمال قاسية ، لكن شاء الحظ ان تنبت تلك الارض دينا يختم به رحلة الوحي العظيمة ، و يستقر نبي بعد فترة من الرسالات صمت فيها الوحي قرابة 500 سنة في ارض بارك جزء منها بمثابة للناس ، و ظل العالم وهو لم يفق من  صدمة ظهور الإسلام بعد يتساءل ، لم كان اختيار صحراء العرب حاضنة لرسالة نهائية؟ بعدها لن يتسنى للوحي النزول  و كان مناطا به تبايع  عشرات الانبياء كما ذكر القرآن قبل ذلك في حدود مترامية من تاريخ الاديان الذي شغل العالم القديم ، لكن التساؤل في اختيار الجزيرة منطلقا للدين الاخير في سلسلة طويلة من رسالات الوحي ظل معلقا بالفرضيات القريبة او البعيدة عن رأي الإسلام دائما اصطدم باعتراضات الاديان و الاقوام السابقة التي انكرت عليه ان يتزي بزي الصحراء او يتلبس سماتها ، فانكر اليهود و النصارى ان تلد الرمال و الكثبان المهيل رحلا مفوضا باسم الله تعالى ، و ظل كل اعتقادهم ان الله الذي هو اله الصحراء و البدو من العبرانيين لن يضع اخر شرائعه في صحراء نائية عن انظار العالم ، و حتى لما صنعت ماكنة اعلامهم اليهودية و النصرانية بالتعاون مع حكماء دولة مكة  انبياء اشباها و بثت بهم بين قبائل العرب المتنازعة يجوبون الفيافي و المفازات المجدبة بقووا ينظرون للأمر بغير جدية من مدعياتهم بأسبقيتهم في نزول الوحي و أسيقيتهم في معرفتهم لتاريخ العالم ، لكن الحكمة الإلهية اقتضت ان يخرج الإسلام من عزلة الارض  بينما كانت الدنيا تصخب  من حوله لتعطيه فرصة الانتشار ، من هنا بدأت فكرة كتابي ، إذ قيض لهذه الرسالة ان تتبعثر في صدور متلقيها و أن لا تلامس القيعان الرملية ( و إن كانت مكة و يثرب و الطائف و غيرها فضاءات لنزول الوحي على اعتبارها أمكنة شبه حضرية) فكيف  بمقدورها ان تؤسس مفاهيمها لعالم مستقر ، و كل الاتهامات موجهة الى ان الديانات غير قادرة على إنشاء حضارات ولا دول ، و لعل الدلائل كانت تشير الى ان الإسلام لن يأتي بشيء جديد كونه رسالة سماوية نزلت على نبي من الصحراء كي ينتشل اقواما قبائل جبلوا على اكثر العادات إيغالا بالتوحش ، ما كانوا منذرين او عارفين معنى الرسالة ، و يتفق معي الكثير من الباحثين  حول ان نزول الوحي بالرسالة التي ذكرها القرآن بالخاتمة هو الذي حفز العوامل المحدقة بها كي تتحول الرسالة الى فكرة تأسيس، و اعتقدت انا في حمى بحثي عن جدوى تأسيس المفاهيم ان فكرة الخاتمية هي مركز استقطاب لظاهرة العقيدة او الرسالة المنزوية عن معالم التحضر ، حيث أريد للإسلام بما هو آخر الرسالات ان يكون خشنا بعد ان عاين العالم ليونة الدين المسيحي ، و ان يتعامل مع دعوته النقية الطيبة بعد ان جرب اليهودية و خدعها ، بمعنى أن الإسلام ابتغي له ان يصبح ظاهرة فريدة في تقديمها لرسالة الله تعالى و اعد لها إعدادا جيدا  بعيدا عن نظرات الفضوليين ، لكن الرسالة وجدت من يدفعها كي تتسع ، تتحول الى قاعدة معرفية للتوسع و الانطلاق كي تنتقل من ظاهرة تطهيرية الى ظاهرة قهرية ، في كتابي ف1 و ف2 اشير للمظاهر الثقافية في الإسلام ، و المؤثرات الثقافية للإسلام تباعا أكدت على الثنائيات المفاهيمية التي تشكل ظاهرة الإسلام في بزوغه الاول ، حيث نجد انشطاراته الاساسية التي بقيت ملتصقة في بنيته لحد الان جاءت على نسقية ثنائية منشطرة  ،لكن تغاضي المؤسسة الإسلامية بعد صعود الإسلام  كظاهرة عن التلويح به هو الذي تركه للدراسات الهيرمنيوطيقية المعاصرة  في تفكيك الظاهرة و نقد المفاهيم ،حيث الثنائية المفاهيمية واكبت الظاهرة ؛ فكانت هناك مظاهر للإسلام ، الإسلام الاول او المبكر و النصي و الرسمي التي تركز فيها البعد الثقافي و اسس له متبنيات متوزعة بين ثقافة الوحي ( في القرآن و السنة ) و ثقافة الصحابة ، و مفهوم التراسل اللغوي بين مظهري اللغة  الشفاهي الكتابي و اعطت للإسلام انشطاراته ، و صنعت منه مزيجا من الخطاب الشفاهي و النصي ، و من المفارقة ان تصعد الظاهرة الإسلامية في فترة التحولات البيداغوجية للغة العربية من الشفاهية الى الكتابية ، لتسجل الظاهرة الإسلامية من أحد جوانبها ظاهرة لغوية ، و أن تشهد بقية العناصر اللغوية غير المنصهرة على ذلك التذبذب بين الخطاب التراسلي الشفاهي و النصي الكتابي و ان يبرز الوعي الإسلامي لدى المسلمين الاوائل على انه ظاهرة لغوية ، مما اوقع الإسلام الرسمي في خداع النمط العربي ، و سار على نهجه في ان تتلون الظاهرة بالوعي السسيوثقافي ، لكن الثنائيات التي طرحتها قي الفصلين الاول و الثاني  قمت بتوسعتها في الفصلين الاخرين الثالث و الرابع ، في تعميق الظاهرة الإسلامية و التصاقها بمفهوم الايمان من جهة ، و من جهة ثانية تجلت في حزمة الصراعات الثقافية ؛ تاريخا و إيمانا و ثقافة و تأملا، لتصبح الظاهرة الإسلامية ظاهرة استعبادية ، تنطلق من كونها رسالة ايمان لصياغة انسان ينشد الكمال الى اعتبارها تمركزا استقطابيا للعصبيات الايمانية و الثقافية و المؤسسية ، من هنا اقدمت على محاولة تفكيكها من خلال نقد المفاهيم التي انبنت عليها ، في وضع تصورات ابستمولوجية للإسلام بالادعاء في كيفية جريان التحولات الانبنائية التي اوصلت الإسلام الى مرتبة الظاهرة بينما كان المتوقع له اي الإسلام الا يتعدى الى خارج مفهوم الرسالة الاخلاقية ، حيث تشير الروايات التي حاولت الماكنة المؤسسية الإسلامية طمسها ووأدها الى ان الهدف من الإسلام هو  ان يكون هداية و لم يخطر ببال اوائل المسلمين و في مقدمتهم النبي تحويل الرسالة الى مؤسسة معقدة ، لهذا الكتاب كتابي تناول على عاتقه تفكيك الظاهرة الإسلامية و نقد مفاهيمه من ناحية تسليط الضوء على استقراء الظاهرات  التي رسمت الإسلام الاول و النصي وصولا الى الرسمي بواسطة استخدام المنهج الهيرمنيوطيقي الذي يعتمد التشكيك بتحول المفاهيم الى ظاهرة ، و تعميق حفرياته يدراسة النصوص الدينية المؤسسة على أنها نصوص قابلة للشك . إن جهود الدكتور محمد مجتهد الشبستري في قراءته للإسلام قراءة تفكيكية تأويلية لغير صالح الاعتقادات الراسخة في جوهر الظاهرة الإسلامية و الإتكاء على مجهودات الطريقة التأويلية للنصوص الدينية في الديانة المسيحية التي انبثقت من تحليلات فلاسفة الكنيسة وهم يفككون النصوص المقدسة و يخرجونها من استقطابها القداسي كنصوص اعتيادية تخضع للشكوك ما زالت تجري في الزمان ، و جاء من  بعدهم في عصرنا الدراسات التأويلية التي تنزع القداسة من النصوص الدينية و تفكيك ظاهراتها عبر نقد انبناءاتها المفاهيمية  على يد هيرش  و كادامير و بول ريكور و سواهم ، ليضع كتابي هذا التدخلات الثقافية كأدوات تنشيطية فاعلة شكوكية في حيز الكتابة  كونها تلتفت للعقل الفعال في قيال الاعتقاد النمطي المنبني على التراتبية  الذهنية.   

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان