كتاب الحقيقة

شباط …الشهادة والذكريات الدامية

مرت قبل أيام، الذكرى الخامسة والخمسون لانقلاب 8 شباط الدموي حين اجتاحت قطعان ((الحرس القومي)) شوارع وبيوت بغداد وباقي المدن العراقية لتمعن في القتل والاعتقال والتعذيب  الذي طال المئات، بل الآلاف من خيرة بنات وأبناء العراق من الشيوعيين وباقي التقدميين والديمقراطيين . واعتاد العراقيون في مثل هذه الأيام وخصوصا اولئك الذين اكتووا بنيران تلك الايام هم أو أحد أبنائهم أو آبائهم أو أقاربهم وكل من لديه ذكريات أليمة عن تلك الأيام السوداء , اعتادوا أن يستذكروا في كل عام هذه الذكرى الدموية , لكن هذه الاستعادات التاريخية لوقائع الأيام السود تتم عادة على شكل استذكارات في المقرات الحزبية أو في ندوات ثقافية أو النشر في الصحف والمجلات وخصوصا نشر صور الاف الشهداء  الذي سقطوا في تلك الأيام، دون أن تجري مراجعات فكرية وسياسية حقيقية وتحدد ما للتجربة وما عليها، وتشخيص الانتصارات والاخفاقات والانتكاسات لنستلهم منها مايفيد في تصحيح مسيرة شعبنا وقواه الخيرة وابعاده من الوقوع مرة أخرى في سجن الاستبداد والأنظمة الدكتاتورية والفاشية خصوصا اذا وضعنا في حسباننا، أن الماضي هو من يقود الحاضر ويسيره وبالذات في المجتمعات المنغلقة، وهذا يعني ضرورة عدم جر هذه الاستذكارات الى الندب وجلد الذات أو التفاخر في جوانب منها مما يحول الجهات او العناصر التي تسعى الى استذكار هكذا مناسبات الى الوقوع في السلفية او الماضوية، بل ينبغي تحويل هذه المناسبات واستذكار الابطال الذين قدموا حياتهم قرابين للوطن والقيم والأفكار التي آمنوا بها، الى عامل دفع للمسيرة وتصحيح لمايمكن أن يكون  قد ارتكب فيها من أخطاء وهفوات , وهنا أدون ما كتبه الشهيد الأردني المفكر ناهض حتر الذي اغتالته قوى الظلام  عن استشهاد المفكر اللبناني مهدي عامل حيث يقول حتر :

((أنا أتذكره بلا اتقطاع , بمعنى أنني أفكر في انتاج أفكاري .مهدي عامل من عدة شغلي , لا شعار ولاصورة ولا أغنية , وبما أنني لا أعرفه شخصيا ولم أر ((الضحك الخفيف في طلقة )) لم أحزن مساء الثامن عشر من أيار 1987 حين جاءني خبر استشهاده , بل فكرت تواَ بعبء المهمات التي تركها باكتشاف النظرية العلمية في حركة التحرر الوطني الاجتماعي والسياسي ))انتهى الاستشهاد بكلام ناهض حتر .

مايعني أن حتر لايستذكر مهدي عامل كشخص ويندبه و((يلطم )) في ذكرى استشهاده بل يستذكره كفكر ومشروع من الضروري –وفاء للشهيد – أن لاينقطع بالاستشهاد وانما يستمر باستمرار حياة من هم حملة نفس الافكار التي ضحى الشهيد من اجلها , وهنا لايفوتني أن أذكر الشاعر سعدي يوسف للينين في احدى قصائده الرائعة حين يخاطبه بالقول :

((نحن لم نرسم على صدرنا وجهك 

    لم نحمل نحاسا 

أنت ماكنت لنا نجما 

وما كنا مجوسا 

انما أنت مقاتل …

معنا … جنبا الى جنب تقاتل ))!!!

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان