في البلد الأول الذي شرّع الدستور الأول، وسنّ القوانين قبل آلاف السنين (مسلة حمورابي)، وفي البلد الذي علّم الإنسان الحرف الأول (الكتابة السومرية) واخــــتُرعت أول آلة موسيقية (قيثارة أور)، وفــــي البـــلد الـــذي أنشأ أول مكتبة وبــــنى أول قرية منتظمة، ما زال الإنسان يبحث دومـــاً عن كل ماهو جديد، فتراه منشغلاً بإحداث تغيـــيرات حياتية معيشة من أجل قتل روتين الحياة ومحاربة المنغصات، فالإنسان العراقي توّاق بطبيعته إلى خلخلة الافتراض وتحويله إلى واقع، وها هو اليوم، وعلى رغم كل ممكنات الخراب التي تحيط به، مازال مصراً على استعادة ممكناته المضادة لهذا الخراب، وبما أنه وريث شرعي لكل حضارات هذه الأرض، فهو يستند إلـــــى قاعدة حضارية تتيح له إحداث التغييرات وقـــلب الواقع المأسوي إلى واقع مزدهر بالبياض والخضرة، ولكون تجربته الديموقراطية الحديثة تهـــمه كثيراً، لذلك هو مستمر بتفعيل حقـــائقها، أملاً بإعــــادة الحياة إلى نسقها الطبيعي، لتعم الفرحة والطمأنينة في البلاد من خلال استدعاء المخلصين والطيبين والوطنيين والـــنزهاء والشرفاء والكــــفاءات الحقيقية لتكون هي المسيّر الحقيقي لشؤون البلاد، بعد أن عاث المفسدون في الوطن وحرموا العراق وشعبه فرصة استعادة حضارة ساهمنا في تأسيسها. وبما أننا مقبلون على تجربة ديموقراطية حضارية، فنحن مطالبون بألا نترك فرصة استعادة وطننا وحضارتنا من خلال مشاركة واسعة في الانتخابات البرلمانية المقبلة.
إن ما نحتاجه اليوم، من وجهة نظر يشاركني فيها كثيرون، بل ما هو مطلوب أصلاً لإحداث تغيير حقيقي في المشهد السياسي العراقي، هو التواجد بكثافة أمام صناديق الاقتراع، فهي وحدها القادرة على جلب من يستطيعون إحداث التغيير المنشود المتمثل بإبعاد الفاسدين والمرتشين والخونة وأصحاب الأجندات الخارجية، فأصابعنا البنفسجية هي من ستقلب الطاولة على رؤوس هؤلاء الذين دمروا كل ما هو جميل في هذا البلد الذي علّم العالم الكتابة والموسيقى والقوانين، وعليه يجب أن نكون دقيقين جداً هذه المرة حين ننتخب ممثلينا في البرلمان المقبل، حتى لا نسمح بعودة اللصوص للجلوس تحت قبة البرلمان. وفي الحقيقة، أرى أن المواطن العراقي مثقف بالفطرة، كونه وريث حضارات عدة، لكنه ربما تعرض للتغييب في زمن الأنظمة الشمولية التي حكمت البلاد بعد انقلاب شباط الأسود، حيث فقد كثيراً من أسس المواطنة والشعور والانتماء لهذا الوطن، لكنه اليوم بدأ يستعيد انتماءاته ووطنيته، وحتما سيقوم بتدقيق الأسماء المرشحة لاختيار الأصلح، مع يقيني بأن كثيرين من البسطاء سيُخدعون ثانية بالدعايات الانتخابية المبنية على أسس طائفية مقيتة، لكن هذا لا يعني أن التغيير لن يأتي، بل على العكس، ستكون حظوظ العلمانيين هذه المرة أكبر مما كانت عليه، بسبب فشل كثير من الأحزاب الطائفية في تقديم نفسها كحل لكل أزمات البلاد.





