واحدة من أهم بديهيات السياسة الحديثة هي كيفية كسب الأطراف والأقطاب وتحويل واستثمار التقارب والانفتاح على الآخر لتعزيز المصالح الداخلية. الدول الناجحة تعمل بهذا المبدأ وتجتهد على صناعة أصدقاء يعززون من امكانياتها في تحقيق تنميتها وتنفيذ خططها الستراتيجية، وهذا عين ما تقوم به الحكومة العراقيّة في الآونة الأخيرة والتي نجحت بامتياز بكسب تعاون عالمي واقليمي فريد من نوعه من خلال اتخاذ سياسة الانفتاح والتقارب وتوسيع العلاقات سواء مع الدول المجاورة أو مع دول العالم من أجل مصالح البلاد العليا، وحققت في غضون فترة قياسية جملة من الانجازات اعادت العراق إلى وضعه المركزي في خارطة العالم سياسياً بعد عقود من القطيعة والابتعاد عن محافل التعاون جرّاء السياسات المتهورة السابقة إبان الحكم الدكتاتوري، وهو ما عمّق شعوراً بالتفاؤل والاطمئنان من أن عصراً جديداً من السياسة الخارجية عنوانه: مصالح العراق، قادمة بقوة. لا يمكن، بأي حال، أن تبنى المصالح من دون تعاون مشترك على مستوى رفيع، لقد ولى زمان يكون فيه العراق معزولاً وحيداً فيما يتقدّم الجميع من حوله، ذلك أن ترسيخ مصالح الشعوب ونمو الاقتصاد وتبادل الخبرات والفائدة وتعزيز التبادل التجاري لا يتم إّلا بسياسة متوازنة تنظر للمصالح المشتركة لا الاستقطاب والاصطفاف والتباين، وقد دفعت البلاد ثمناً غالياً لعزلتها منذ مطلع الثمانينيات حيث أغرقت بالحروب والعنف والعقوبات الدولية القاسية التي أخرت حركة البناء والتطور والإعمار بما يتماشى مع تطور العالم السريع.
إن تعزيز ثقافة التعايش وتنمية الشعور بالمشتركات بين الدول والشعوب ضرورة عليا سيكون من ورائها فرصة حقيقية لإدامة مكاسب الأمن والاستقرار وخلق حركة اقتصادية فعّالة وتعميق ما تحقق على الأرض من نصر على الإرهاب واستثماره، ففي النهاية نحن نعيش جميعاً على هذه الرقعة الجغرافية من العالم وعلى الجميع فهم أن المصلحة تقتضى نبذ الفرقة وتغليب المصالح سواء في المحيط الإقليمي أو في منطقة الشرق الأوسط عموماً وإلا فإن سنوات من المراوحة ستكون هي النتيجة. إن المجتمع الدولي والعربي صار على يقين بأن العراق رقم صعب وهام في معادلة المنطقة فنصره على الإرهاب وخبرته المتراكمة في مجال الحرب وتوثبه للبناء والإعمار ومحاربة الفساد يجعله محط الأنظار وهذا ما يشجعنا أيضاً على استثمار “اعتراف العالم” هذا، والإفادة منه بايجابية والتعامل مع الجميع بالتساوي ووفق المصالح المشتركة بما يسهم بدعم توجهات الحكومة في التنمية المستدامة وتحقيق فرص العمل وخلق فرص استثمارية على مستوى متقدم، ولا تخفى على أحد أهمية التثقيف الشعبي بضرورة التعايش والحوار وتقبل الآخر لأن جذور العنف والصدام والتنافر تأتي من الجهل بضرورة التسامح والانفتاح على المقابل، لذا فالمسؤولية تقتضي تعزيز جيل يؤمن ويطبق هذه المفاهيم ويحولها إلى وقائع وأفعال.





