ثقافية

الأعلام لا تتقاعد .. الدكتور أحمد عبد المجيد أنموذجا

 

حسين محمد الفيحان

 

 

  جرت الايام  ومرت الأعوام، حتى سقوط النظام السابق في نيسان 2003م، لتدخل بعد ذلك بيتنا الذي يحوي على مكتبة إعلامية- ثقافية، اول صحيفة عراقية يومية بعد التغيير، كان اسمها (الزمان)، تصفحتها بشغف و لهفةٍ و تعطشٍ للقراءة، لأقرأ على احدى صفحاتها رئيس تحرير طبعة العراق احمد عبد المجيد، فرحت جدا. كان والدي د. محمد عبد فيحان رئيس قسم الصحافة و الاعلام بكلية الاداب في جامعة اهل البيت، وقد كنت احد طلاب القسم بعد تخرجي من كلية العلوم قسم البايلوجي في جامعة كربلاء،  كنت أجد اصرار والدي على طلبته في المرحلة الرابعة وحضهم على دراسة صحيفة (الزمان) الدولية ضمن مشاريع بحوثهم التخرجية، قائلاً لهم: ان هذه الصحفية مدرسة اعلامية متكاملة فقد أسست في لندن عام 1997م، ومن يعمل بها ويديرها طاقات اعلامية و صحفية متخصصة، ادعوكم لزيارتها والذهاب اليها للاستفادة من خبرتها و تجارب العاملين بها، وفعلاً ذهب العديد من الطلاب الى صحفية الزمان، وكانت ابوابها واقسامها مفتحة لهم. بينما كنت انا اخوض غماري في كتابة اولى مقالاتي الصحفية بعد دراستي لفن الكتابة في الكلية وتأثري وقراءتي أقلاما كبيرة منها احمد عبد المجيد و هاشم حسن و دواود الفرحان و صباح اللامي و وجيه عباس، واخرون. ارسلت ذلك المقال الى صحيفة الزمان، مستبعداً نشره على صفحاتها، غير اني وجدتهُ بعد مدة في صفحة (اغلبية صامتة) ، كانت الدنيا لا تسعني في تلك الظهيرة و انا اقرأ اسمي في صحيفة الزمان، بعد اسبوع قررت الذهاب الى مقر الجريدة لاشكر القائمين عليها على نشر مقالي، كان في استقبالي، د.احمد عبد المجيد ، وقد رحب بي كثيرا ، وكنت لا اصدق نفسي اني اجلس امام احمد عبد المجيد و اراه بدمه و لحمه.. شكرته فقال لي: انت فرخ البط، وفرخ البط عوام، ينتظرك مستقبل كما والدك الان.. هذا ما اتذكره بالنص..

تخرجت من قسم الصحافة بكلية الاداب و بعد مخاض عسير جدا قُبلت في مرحلة و دراسة الماجستير بكلية الاعلام- جامعة بغداد، و وجدت هناك ايضا الدكتور احمد عبد المجيد استاذا لمادة التحرير الصحفي لطلاب مرحلة البكالوريوس، ومشرفا على العشرات من طلاب الدراسات العليا للماجستير و الدكتوراه، و رئيساً و عضوا مناقشاً للعشرات من الرسائل والاطاريح العلمية المتخصصة، كنت ايضا اتمنى ان يُشرف عبد المجيد على رسالتي، العاكف على كتابتها الان، وقد حصل ذلك بالفعل (بفضل الله سبحانه وتعالى) لاكون ذلك الصغير الذي تاثر بأستاذه منذ صباه، حتى وصل اليه و جالسه تلميذاً وطالباً..

  قبل ايام قليلة اتصل بي زميلي و صديقي في الدراسة الصحفي عدنان عبد الحسن، ليخبرني بإحالة الاستاذ الدكتور احمد عبد المجيد على التقاعد في الاول من تموز الجاري 1/7/2017م، و قد نشر على صفحته في مواقع التواصل الاجتماعي  موضوعا عنوانهُ (وتقاعد الدكتور احمد عبد المجيد) .. جاء فيه:

((ماذا عسانا ان نكتب في حضرتك، شهادتنا مجروحة نحن طلابك مدينون لك ما بقينا و بقيت،  انت شمعة تضيء لنا الزمان، سنتذكر كلماتك، ومحاضراتك، ونصائحك، وسيرك في ممرات القسم، وسنحكي كل شيء للاجيال عنك ايها المربي الفاضل، وأتمنى ان تقيم كلية الاعلام جامعة بغداد، حفل توديع وتكريم خاص يليق بتاريخه ، لا بل أتمنى من وزير التعليم العالي ان يقوم هو شخصيا بذلك، وبالرغم من انتهاء مشوار واجواء التدريس والجامعة  للدكتور احمد عبد المجيد، لكن قلمه و اسمه ما زال ينبض بالحياة في ميدان صاحبة الجلالة)) انتهى..

  نعم، فقد كان الدكتور احمد عبد المجيد وما زال معلماً و عالماً متواضعاً مع جميع طلبته والعاملين معه سواء في الصحف و الجرائد العراقية التي عمل بها طوال مسيرته المهنية الحافلة، و كذلك في نقابة الصحفيين العراقيين وجامعة بغداد ، لم يسعَ لمنصب ابداً و لم يكترث له مطلقاً، هو ذلك الرجل الهادئ البعيد عن الاخرين، القريب من زملائه و محبيه، ما زاد اعجابي به، لم يُصغِ و لا لمرةٍ عابرة لاولئك الحاقدين المرضى، و لم يقرأ لهم حرفاً واحداً، فقتلهم وزاد بغضهم بسكينته وهدوئه واستمرار نجاحه وتقدمه بحصوله على لقب الاستاذية (البروفسور) في الصحافة والاعلام..

شيء اثار دهشتي في شخصية هذا الرجل ايضاً، هو حبه لاسمه الصحفي و تقديمه على لقبه الاكاديمي، اذ لم يكتب او يرمز للقب (الدكتور) على جميع مقالاته و ما كتبه في الصحافة العراقية، بل حتى على كتابه العلمي (الاستمالات العاطفية في الدعاية الامريكية). اذكر بعض التعليقات التي تاثرت بها على منشور زميلي عدنان عبد الحسن في الفيس بوك:

_ د. ليث بدر الراوي: العلم لا يتقاعد … أ. د. احمد عبد المجيد كان وسيبقى ركيزة مهمة من ركائز الإعلام …هو ذلك الأخ الهادئ الذي يأتي الى الكلية و يذهب بهدوء وطيبة…لم يبحث عن منصب و لم يرضَ بكثرة المناصب الأكاديمية بل بقي أستاذا جامعيا يعلم طلبته المهنية الصحفية ويقود الزمان من نجاح الى آخر…ستبقى اخي العزيز الأستاذ والصحفي حتى لو تقاعدت بشخصك ولكن علمك ومهنيتك ستبقى وتزدهر وفقك الله..

_د. محمد فلحي الموسوي: د. أحمد عبد المجيد كفاءة وإبداع وأخلاق قل نظيرها في هذا الزمن.. أتمنى له التوفيق والسعادة في مرحلة العطاء الجديدة ..فلا تقاعد في الإبداع ..

_ د. كامل حسون القيم: العالم.. الانسان.. صاحب الأصول.. انت علم يا دكتور احمد..

_ الزميل الاعلامي عباس عبود _ مدير قناة العراقية الوثائقية:  مهما قلت لن أفي حق هذا الرجل المعلم.. والعمود الأساسي من أعمدة الصحافة العراقية.. احسنت يا صديقي..

_ الصحافي وجيه عباس: د. احمد قامة عراقية سامقة انه يضيف للمكان و لا يأخذ منه شيئا بل يترك اشياء من روحه هناك..

_ د. رعد الكعبي: تقاعد د. احمد عبد المجيد، خساره لكلية الاعلام..

_د. اكرم الربيعي: تحية للدكتور احمد عبد المجيد الانسان والصحفي والتدريسي والباحث..

كما كانت هناك مئات التعليقات الاخرى وهي في حالة تزايد..

احمُد الله اني اخر طالب يشرف على رسالته، الدكتور احمد عبد المجيد قبل تقاعده من كلية الاعلام بجامعة بغداد، كما اتمنى ان تتلقف الجامعات و الكليات الاهلية هذه الطاقة العلمية و الاكاديمية الكبيرة.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان