عقيل علي الذهبي
ارتأت الكاتبة شذى سلمان في رواية( التواء )، ان تشير الى جانبين مختلفين و مترادفين من ماضي غامض و قلق وحاضر مطرب تعيشه شخصية بطل الرواية الدكتور سعيد الذي هو ليس بسعيد ، بشكل لافت للنظر من خلال بنية نصية للرواية متتابعة و متصلة مشدودة متماسكة دون أي تفكك او فراغ او انقطاع و لقد كتبت بشكل متصل باتخاذ الكاتبة شخصية (نوران) لتقوم بفعل السرد المهيمن على كافة الاحداث والتي منها ينسج المتن الحكائي فتخلق الاحداث من الزمان والمكان. والشخصيات جميعا في مبنى الرواية التي اتخذها مسارا للأحداث السردية، هي جانب مهم و يدعو فيه المتلقي بمتابعة حياة بطل الرواية من خلال رسم ملامح للشخصيتين في شخصية (الدكتور سعيد) فهو حمل اسمين في ان واحد اسم (مثنى )في الطفولة، ليكن (سعيد) الاستاذ الجامعي للمادة التاريخ صاحب النظريات الحديثة المتزن الانساني مع كل المجتمع بل وحتى مع من اساء اليه عمه المقعد( طارق زحلاوي )الرجل غير السوي الذي يطلق عليه الكلمات والألفاظ النابية دوما ولم يقطع عنه المساعدة الى وفاته ، كما ان اضطراباته النفسية جعلته يخلق شخصية وهمية اسماها شقيقه (جهاد) فكانت ملاذا روحيا له.(جهاد) المنعزل عن المجتمع يرافق البطل ويقدم له النصائح ويستطر عليه .وقد جعلت الكاتبة من هذا الـ ( التواء) في كل مرحلة من الرواية ، الطاغي وهو الغالب في مسيرة حركة الاحداث السردية.
اما المكان الروائي فلم يكن مجرد مكان تتحرك فيه اشخاص الرواية وتجري فيه الاحداث السردية فمن الممكن تجزئته الى مكان للهروب من الواقع، هو بيت الظلام الممتلئ بنفايات بيت (طارق زحلاوي )الذي تفوح منه رائحة الخمر وبيت الماضي الذي يلاحق البطل بذكريات الخيانة و(الدماء) التي ملأت اركان البيت (ص16) سببت له ذلك التوتر النفسي وكان مجمعا لكل احداث الرواية ويحرك الماضي والحاضر وختاما لأحداث الروائية، بمشاهد كتبت بأسلوب سينمائي بطريقة( الفلاش باك ) بالاضافة الى اماكن كانت تسعد البطل، منزل يجمعه ( بنوران) زوجته والجامعة ايضا التي يلقي فيها محاضراته والمكان المحايد للمستشفى التي كان فيها يفقد ذاكرته مؤقتا ويستقر نسبيا من اضطراباته النفسية.
وظفت السلمان في روايتها شخصيات قريبة للغرائبية أرادت الرمز بها الى الوهم والضياع الذي تمثل بشخصية( الرجل الاشقر) الذي يتابع البطل منذ ثلاثين عاما لينال منه ويبقى شابا لم يتغير بكل الاعوام !(ص97)، وشخصية شقيقه (جهاد) الانطوائي التي ابتكرها البطل ليخرج عن عالمه وسط المجتمع لينطوي بأفكاره بعيدا عن كل الحقائق تدور وتتحرك هذه الشخصيات في متن النص السردي بطريقة اقرب للسينما من خلال مشاهدة مشاهد تعود بذاكرة البطل الى ماض قريب ومشاهد من ذهنه المرهق تعود بالمتلقى الى صور ملئية بعناصر التشويق كما في مشهد محاولة قتل الرجل الاشقر خنقا او مشهد دهس الكلب الذي ظن انه الرجل الاشقر .(ص101) وكان حدث موت الكلب دهسا بسيارة كافيا ليغير مجرى الرواية او الى اﻻلتواء بحياة البطل وزوجته نوران، فكان موت الكلب يرمز الى موت الماضي لتبدأ رحلة جديدة تغير مسار احداث الرواية من زوجة البطل (نوران)التي تحاول ان تعود بسعيد الى حياته لتبحث عن ذات سعيد .
ووسط كل ارهاصات البطل النفسية والظلام المحيط به من ماض مضطرب وحاضر قلق كانت هناك (نوران) زوجة البطل التي وظفتها الكاتبة لتشير بها الى الامل، فهي الحقيقة الوحيدة وسط اوهام الدكتور وظلام بيئته و واقعه المضطرب الذي حاولت بابتسامتها التي لم تفارقها حتى بعد فقدانها حملها و معرفتها بسعيد وكل اضطراباته النفسية وماضيه حاولت استلهام قوة سعيد وخروجه الى عالم واحد يعيشه سعيدا، فتحدثه مبتسمة (سعيد انا حبيبتك ولم اسال نفسي ان كان حبك لي بالمقابل يوازي حبي لك ام لا، انا لا اكاد اتصور نفسي بدونك…ص190) لكن احتتم صراع الماضي بالأوهام ففقد سعيد كل سعادته بمن يحب ….
رواية التواء
الكاتبة/ شذى سلمان
الناشر/ مؤسسة ثائر العصامي للطباعة والنشر بغداد
الطبعة الاولى عام 2017.









