سمير الهواري
دعني أستعير عصاك ، قبعتك ، تلك المشية ، هل يمكن أن أتخلص من كل هذا الواقع المؤلم والمشين بالسخرية المريرة؟ هل يمكن للضوء المعتوق من القلوب المختنقة أن يجد له طريقا بين كل هذي الحرائق ؟
لم يعد للطغاة نصف شارب يا شارلي ، وهم في أغلب الأحيان لا يرتدون البزات العسكرية ، فنحن نشتري لهم ملابسهم من أرقى بيوتات الأزياء في العالم فيخرجون علينا بكامل أناقتهم ، مرتدين وجوها لامعة براقة ، تجري على ألسنتهم عبارات تقطر ودا و إنسانية ، هم يبكون أحيانا يا شارلي ، نعم يبكون من أجلنا ، بينما أصابعهم مشغولة بدس مخططاتهم المفخخة تحت العمائم ، وضفر الأسلاك باللحى، لا شيء سوى القبح يا شارلي ، حتى أشياءنا النقية وملاذاتنا غدت قبيحة ، ولا تحاول أن تبحث عن إجابات لأي شيء ؛ فأنت لن تجد سوى الأسئلة ، المزيد من الأسئلة تلك التي ظلت عالقة ودونما إجابة !!
إلى متى نبقى هكذا عالقين في صحراء الصمت والعدم ؟ حتى أصواتنا باتت تضيع وتتلاشى بين هسيس النار وحسرة الرماد ؛ أصواتنا نحن المنتمين لإنسانيتنا ، لهذا التراب ، نحن سواده ، أنفاسه وبوحه الصباحي .
كثيرون نحن ، كثيرون ، خائفون ، صامتون ، مضطهدون من أقليات غبية متعطشة للسلطة ، أي سلطة ، حتى وإن كان ثمن الوصول إليها دماؤنا ، نحن الأبرياء المستسلمين لأقدارنا ، فلطالما كنا صالحين وأسوياء ، نقرأ الكتب ، ونضرب الأحجار بأحذيتنا ، نرسم آمالنا مع ذلك الضوء الآسر المنبعث كحلم من تلك الشاشة البيضاء ، وكانت أكبر جرائمنا هي أن نسطو على قطع السكر المكعبة اللذيذة ، أن نلبس ثيابا أنيقة ونسمح لظلنا أن يعبر أمام عيني مراهقة خجولة، أتذكر تلك الأصابع الحانية ، التي كانت تمسد الألم فوق كفي الصغيرة ؛ ما زالت رفيقة طفولتي المسيحية هي أرق من عرفت ؛ صديقي الشيعي لم يكن عدوانيا أبدا كان مهذبا وغير منحاز ، لم تسكن العنصرية والعصبية أبدا بين حواراتنا التي لا تنتهي ، كنا نقرأ ، نكتب ، نسمع الموسيقى ، ويستغرقنا الجدل ، ثم نمضي حيث تنتظرنا دائما مائدة للود ؛ كنا فرسانا ونبلاء ما الذي حدث لنا ؟، لماذا تعصف بنا الخلافات ، وتقضي على أحلامنا الحروب ، ألسنا نحن من كنا ؟ أجزم أننا نحن رغم كل هذا الخراب ، أجزم أننا نحن ..
ما زلنا نشتاق لتلك المساءات ، للأضواء الناعسة ، لصغار يضربون الكرة، فتقع على رأس رجل عابر يركلها نحوهم في مودة ، لشارع يحن لخطو أنثوي آمن ، لموائد زادها الحب، وعالم مليء بالأغنيات، ما زلنا نحلم يا شارلي أن نقبض على حقوقنا البسيطة ، ما زلنا وما زالت الأسئلة عالقة ودونما إجابات !! ، فاحمل عصاك وارحل ، ارحل يا شارلي.









