في مثل هذه الايام، من عام 2003 كان الوضع في العراق مختلفا تماما .. كانت مشاعر الناس مزيجاً من الخوف والقلق الترقب وانتظار المجهول .. لااحد يعرف ما الذي يجري .. ولا ما الذي سيحدث .. في النهار ترى الناس يتراكضون ذات اليمين وذات الشمال وهم يحاولون تامين مستلزمات حياتهم اليومية .. وفي الليل كان الظلام يلف الاجواء تبدده بين لحظة واخرى اصوات القاصفات الاميركية وهي تقصف اهدافا هنا وهناك .. محدثة اصواتا تقلع القلوب من اقفاصها .. فترى الاطفال يلوذون بوالديهم والوالدان يحاولان اخفاء خوفهما والتظاهر بالهدوء .. اجواء يغرز الرعب اظافره خلالها في الارواح والابدان!.. في النهار يتجول (الرفاق البعثيون) وهم يهددون ويتوعدون الناس مطالبين اياهم بالمقاومة !!..
وفي الليل يتوارون عن الانظار !! .. الاذاعة والتلفزيون العراقي لم تعد تعمل .. الكهرباء بدأت تهرب .. بات الناس يعتمدون على اذاعة البي بي سي ومونتي كارلو لمعرفة الاخبار وتطورات الاحداث .. العواصف الترابية كانت على اشدها محدثة رعبا اضافيا !!.. منكاش يسقط طائرة اباتشي في قضاء (طويريج) بواسطة البرنو!! فاخبروه انه سيحصل على جائزة مقدارها (50) مليون دينار .. ولكن شيئاً من هذا لم يحصل !! .. الاميركان دخلوا الناصرية وفي طريقهم الى النجف .. ام قصر مازالت تقاوم .. بغداد تتعرض لقصف عنيف .. تاتي الاخبار من النجف بواسطة الاهالي .. الناس شاهدوا بام اعينهم افراد قوات المارينز وهم يتجولون في الشوارع !!.. كانوا يبدون وكانهم كائنات هبطت من كوكب اخر .. هاهم يصلون الى كربلاء .. الحلقة تضيق حول بغداد .. مظاهر الرعب والخوف تزداد .. البعثيون ومعهم بعض المتطوعين العرب ينشرون الرعب بين الناس .. الطائرات الاميركية تنقض على احدى فرق الحرس الجمهوري عندما كانت متجهه من المسيب صوب كربلاء.. فاحالوها الى مجرد ركام محترق ولم ينج منها (المخبّر).. قوات النظام تحطم جسر المسيب الحيوي لقطع الطريق امام الاميركان ومنعهم من الوصول الى بغداد .. ولكنهم عبروا بعد ان اقاموا جسرا عائما .. وبقي جسر المسيب محطما بعد سقوط النظام لعدة سنوات .. بدأت طائرات الاباتشي تظهر في الاجواء بكثرة على شكل مجاميع وهي تمشط الازقة لتامينها من جيوب (المقاومة) ..
في يوم السادس من نيسان جئت الى بغداد قادما من كربلاء لتفقد شقيق زوجتي الذي بقي في البيت وحيدا .. كان نهارها مثل ليلها يلفه الظلام الدامس..فهي اصبحت بين نارين .. نار الكميات الكبيرة من النفط الاسود التي امر صدام بتوزيعها في عموم العاصمة ليتم احراقها بهدف تكوين طبقة سوداء وبالتالي تشويش الرؤية امام الطيارين الاميركان وافقادهم القدرة على ضرب اهدافهم لان طائرات التحالف هي من النوع الذي يتاثر بمثل هذا الاجواء النفطية ولاسيما انها قادرة على اصابة اهدافها على بعد عشرات الكليومترات !!.. وهذه الطائرات كانت تمثل النار الثانية التي باتت تحاصر العاصمة من كل جانب.. لم امكث طويلا في بغداد فقد شعرت بالاسى وكنت اغالب دموعي وانا اتامل تلك المشاهد الموغلة في السوداوية .. فالقيامة اوشكت ان تقوم ..
القوات الاميركية تخوض معركة عنيفة قرب مطار بغداد مع قوات الحرس الجمهوري .. القوات الاميركية تتقدم .. وقوات الحرس تتقهر .. محمد سعيد الصحاف ما زال يصف الاميركان بالعلوج الذين تنتظرهم معركة حاسمة وستتم ابادتهم لتجرئهم على بغداد !!! .. اخبروا الصحاف ان معركة تدور رحاها بالقرب من جامع ام الطبول .. قال: ان الاميركان ينتحرون .. اخبروه ان دبابتين اميركيتين عبرتا جسر الجمهورية من الكرخ الى الرصافة .. قال: انهما ضلتا الطريق وستتم معالجة الامر بسهولة اذ سيكون افرادها وجبة عشاء بسيطة لقواتنا !!!.. تقوم احدى الدبابتين (الضالتين) بتوجيه قذيفة الى فندق شيراتون الذي كان يقيم فيه الصحاف والصحفيون !..
فلم يسمع احد تعليقا للصحاف، فقد اختفى الرجل بعد تلك القذيفة ولم يشهده احد بعد ذلك ..ومعه اختفى كل القادة (الاشاوس) وتركوا بغداد واهلها يواجهون العلوج لوحدهم !! .. اما الناس في المحافظات الاخرى التي انتهى منها الاميركان فقد بدأوا يشعرون بشيء من الهدوء .. بدأت المحال تفتح ابوابها امام الناس للتبضع..
وقد جلب الاميركان معهم بعض الاجهزة التي تساعد على التقاط البث الفضائي فاقتنتها بعض العوائل.. في التاسع من نيسان بدات الصور والاخبار تاتي من بغداد .. فقد سقط نظام صدام وكان لتحطيم التمثال الضخم لصدام الذي يتوسط ساحة الفردوس وسط بغداد الدليل الاكيد على ان اللعبة قد انتهت .. لتبدأ مرحلة جديدة مختلفة عما سبقتها من مراحل .. كل شيء تغير .. الناس لم يعودوا كما كانوا .. وربما للحديث صلة.





