ثقافية

المخيلة الجامحة للشاعرة مسار الناصري وظواهر شعرية في (هناك….حيث انت)

قراءة:داود سلمان الشويلي

 

للقصيدة عالمها الخاص الذي تبحر فيه/ وبه في ذائقة المتلقي، ولكل عالم من هذه العوالم تنوع وتعدد في الفكرة والرؤى واللغة والصور والمعالجة العامة، وفي كل شيء تضمه او تحتويه.

ولما كان كذلك، فلكل قصيدة تلقيها الخاص عند القارئ أو السامع، ومن هذا الجانب تكون المجموعة الشعرية في الوقت نفسه التي تضم مجموعة من القصائد تضم كذلك مجموعة من العوالم لتشكل في النهاية عالما واحداً متنوعا ومتعدد المشارب والاتجاهات من الداخل وهو عالم المجموعة الكلي الخاص.

في هذا السياق يمكن ان ننظر الى اية مجموعة شعرية او قصصية على أنها تقدم لنا عوالم مختلفة ومتعددة، وفي الآن نفسه تقدم لنا عالمها الكلي الخاص بها.

اسوق هذه المقدمة القصيرة وامامي المجموعة الشعرية “هناك … حيث انت ” للشاعرة مسار حميد الناصري التي تضم مجموعة من القصائد التي تفصح، لو تلقيناها ظاهرياً، عن حب الوطن والاخر.

ومن الامور الواجب ذكرها هنا هو المخيلة التي ترتكز عليها الشاعرة في كتابة قصائدها ، هذه المخيلة التي يمكن وصفها ببساطة بأنها “جامحة” لا تحدها حدود سوى ما تمنحه الشاعرة لها من حدود “قسرية” لهذا تجد في قصيدة اخرى مجالاً واسعاً لان تكمل ما بدأته في القصيدة السابقة لها، وهذه الخاصية يشترك فيها مع الشاعرة الكثير من شاعراتنا وشعرائنا ، وهي طريقة تختلف عما كانت تكتب به القصيدة قديماً، إذ تنشئ القصيدة القديمة عند ذاك عالماً خاصاً بها لا ينتقل الى قصيدة اخرى ، تكتمل كلياً ولا تحتاج الى بقية أخرى.

***

اول ما يصادفنا في هذه المجموعة هو عنوانها اللافت. وللعنوان دور فاعل وكبير في استصحاب الكتاب،أي كتاب، في رحلة القراءة، إذ انه يشكل المدخل الرئيسي له، ومن خلاله يمكن الولوج الى عالم ذلك الكتاب،أو المجموعة القصصية أو الشعرية.

(هناك … حيث أنت) عنوان المجموعة الشعرية الذي يدفعنا للتساؤل:عمن يكون هذا الذي تخاطبه الشاعرة باستخدام الضمير (أنت)؟ هل يشير الضمير الى شخص معين،أم إنه يشير الى الوطن؟ ام الى كليهما؟ وما هو دور مخيلة الشاعرة بكل هذا الخطاب الموجه الى “أنت”؟

إذا فككنا عبارة العنوان الى وحداتها الاولية لوجدناها تتكون من ثلاث مفردات هي:

هناك = اسم اشارة.

حيث= ظرف مكان.

أنت = ضمير المخاطب المذكر.

تفصل بين اسم الاشارة وباقي العبارة نقاط ثلاث ، هذه النقاط هي تعبير عن “وقفة” في الكلام تشير الى التأني وعدم السرعة في مخاطبة الاخر حيث هو في مكانه.

هذا الفصل في عبارة العنوان يدعونا الى ان نبحث عن دلالات الـ”أنت” بين الاشياء التي يشير نحوها. ومن بين الاشياء تلك نجد الشاعرة تشير الى شخص آخر، ربما الحبيب او الزوج أو أي شخص آخر. تقول في قصيدة”نوافذ وحنين”:

* ((طرقت باب الله

يلفحني شوقان

اولهما لك والثاني اليك )). ص23

ويشير الى الوطن، فتقول في قصيدة “ذبول ندى”:

* (( آه من وطني…

إنه وطني

ينشر أرجاءنا على سطح غصة

يوزع كل شروق

على أعواد العمر خيبة

أحصيها…)).ص16

وعن كليهما، تقول الشاعرة في قصيدة “بوصلة نحو الله”:

* ((هكذا اتوضأ بأعينكم

لأحيي صلاتي

هائمة بين وطن وخارطة مضمرة

ولآخر نسيت لون عينيه)).ص7

إذن الشاعرة مشغولة بحب الوطن والآخر، أي بكليهما، لهذا نجد ان مجموعتها الشعرية تنضح بهذا الحب الذي تجمح به مخيلتها الى ابعاد بعيدة وواسعة.

***

ومن القضايا التي تطرحها قصيدة الناصري وبشدة هي ظاهرة “المطر” هذه الظاهرة الطبيعية المرتبطة بالانسان ومنه الشاعرة الزائدة الحساسية تجاه مثل هذه الظاهرة.

يأتي المطر في قصائد المجموعة بصيغ ثلاث ، إما بصيغته الاصلية وهي “مطر”، أو بصيغة “الغيث” ومشتقاتها ، أو بصيغة “الغيم” ومشتقاته، أو بصيغة “الماء” النازل من السماء.

* فهو يرد في القصائد بصيغته الاصلية ، مطر ، مثل:

– ليعزف لوني المطر. ص12 (اغنية شاطيء)

– كفرت بالمطر. ص 14 (ذبول ندى)

– اقف في زاوية من الذاكرة/ انتظر المطر. ص 19 (نافذة بلا مطر)

– وان المطر سوف يمر. ص 19

– تحت الامطار. ص 20 

– كن معي ليرتوي بنا المطر/ كن معي .. . نافذة ومطر. ص22

– ويحتشد المطر ذابلا. ص26 (موعد مع الفجر)

– على حبال المطر. ص36 (تعويذة)

– ويصدح المطر ابتهالات. ص56 (ابتهالات مطر)

* ويأتي بصيغة “الغيث” ومشتقاته، مثل:

– وانهمر غيثا. ص 21

– ثرثرة معطرة بغيثك. ص 22 

* ويأتي ثالثاً بصيغة “الغيم” ومشتقاته،مثل:

– يا حلة من غيوم وتقوى. ص24 (نوافذ وحنين)

– وجراحنا غيمة عصية. ص31 (باب الله)

– – ينشر ارجاءنا على سطح غيمة. ص16

– كلما ترجلت من عربات الغيم. ص40(غيمة في قارورة)

– كلما ارتديت غيمة / يبتلع الوقت. ص41 (اغنية لا تشيخ)

– فالسماء دثرتها بالغيوم. ص21

* ويأتي رابعاً بصيغة “الماء” الذي تفصح عنه السماء، مثل:

– تفصح السماوات / عن اسرارها/ ويأتي الضوء والماء والملائكة. ص66(اسرار)

إن ورود المطر في قصائد المجموعة لم يأت من باب الصدفة، أوالتزويق اللفظي لاضفاء جمالية داخل القصيدة ، وطراوة وطلاوة في الاجواء وفي القصيدة، وإنما ورد في القصائد لضرورة فكرية حيث يكون موضوع القصيدة المخاطب بها الآخر او الوطن ، أو كليهما، يشير الى هذه الظاهرة على انه صورة من صور الخير العميم الذي يأتي من الآخر والوطن ، الشخصي والجماعي ، و بمعناه القاموسي والمجازي.

***

ومن الظواهر الشعرية الاخرى التي تفصح عنه قصائد المجموعة هي كيفية استخدام اللغة. والاستخدام في قصائد المجموعة يأتي على شكل الجمع بين الالفاظ المعنوية مع الالفاظ المادية، أي بتركيب اللغة تركيباً شعرياً بعيداً عن الاصل القاموسي الجاف وغير الحيوي للمفردات.

وعلى سبيل المثال ترد تراكيب المفردات بصيغة شعرية بعيدة عن تراكيبها القاموسية ، مثل:

– موقد الحسرات. ص7

– ذمة الليل. ص8

– وجع الرماد. ص10

– صمت الشراع. ص11 

– صناديق الليل. ص11

– بزفرات النهار. ص11

– يلعق ناذتك الدخان. ص11

– قبلة الفجر. ص11

– قيامة شوق في ارض معدمة باللقاء.  ص11

– ليعزف لوني المطر. ص12 

ان تركيبا شعريا للمفردات بهذا الشكل ، وهذا ما يجمع الشاعرة مع شاعرات وشعراء متمكنين من اداتهم الشعرية، يبعدها عن أن تكون قاموسية، جافة، غير حيوية و لاطرية ، بل إن هذه المفردات جاءت اكثر رواء وفيها الماء كما يقول الجاحظ كثيراً، وهذا ما ابعد قصائد المجموعة من الجفاف اللغوي، ويتبعه الجفاف الفكري.

***

وقد رصدت قراءتنا لهذه المجموعة الشعرية استخدام الشاعرة آلية التناص بكل انواعها المعروفة عند الدارسين، مثل:

– وهامان كان بخيلا. ص8 (بوصلة نحو الله)

– وعباءة نوح تحمل راياتي/لقميص ونبوءة. ص8 

– والتين والزيتون وطور سنين. ص9 

– نداري كأيوب الرزايا. ص 11 ( اغنية شاطيء)

– ارفض ان اكون من الخراف. ص12

– ليصحو صراطك المستقيم. ص 17 (ذبول ندى)

– يستيقظ تموز. ص 37 (تعويذة)

– سيزيف بلا الم. ص 48 (هجرة اخرى)

– فهل اتاك حديث النهر. ص53 (مرآة كحل)

– يعلمني كيف اتهجى ايوب. ص61 (حزن الاحرار)

– وريح يوسف. ص 62 (انتظار البنفسج)

– على عشبتك الخرافية. ص 69 (رحيل)

ان تناص الشاعرة مع القرآن والانجيل والاساطير قد اضفى على قصائد المجموعة نوعا من الاختصار والتكثيف في اللغة والصورة وابعدها من الاطناب والاسترسال الذي تشتهر به الجملة النثرية.

نترك للقارئ الحصيف ما تدل عليه هذه الاستخدامات من القرآن والانجيل والاساطير فهو الأقدر على تفهم وتقبل الشعر بنفسه بعد إضاءة الطريق امامه.

***

هذه بعض الظواهر الشعرية التي رصدتها قراءتنا لهذه المجموعة الشعرية، ولا اقول إنها كل الظواهرالموجودة فيها.

ان وجود هذه الظواهر الشعرية في قصائد مجموعة (هناك…حيث أنت) قد اضفت على قصيدة الناصري الكثير من الماء، واخرجتها قصيدة تتسم بجودة السبك كما يقول الجاحظ في الحيوان (ج3 ص41)، فأحالتها الى قصائد تقف في مستوى قصائد الشعراء المتمكنين من اداتهم الشعرية. 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان