ثقافية

جَلْجَلْ عَلَيَّه الرمان

سمير الهواري

 

تعرفت على صوته في 25 يناير ، فكان ككل المعاني الجميلة التي أفرزتها الثورة المصرية.

صوته ، موسيقاه ، اختياراته الملتزمة ، كلها تستدعي الوقوف أمام فنان بدرجة إنسان ، يشعرك 

بالانتماء إلى الجمال ؛ لفت نظري سعيه الدؤوب نحو الغوص في أنهار تراثنا العذب،  مستخرجا  

ما  فيها من درر غاصت في قاع الذاكرة ، تلك التي علاها  طين النسيان ، والسطحية المنشغلة 

بإظهار كل ما هو قبيح في الذات العربية !!

تلوح الآن أمام مسامعي  درة عراقية آسرة ، أراها بعين ذائقتي وقد ارتدت ثوبا عصريا رائعا

هي ذات الموسيقى التي سمعتها من قبل ، تلك التي أطربت من قبلنا وأراها الآن تطربنا ، 

وستطرب من بعدنا !! 

يدفعني هذا إلى التساؤل عن كم الجمال المهمل في الذاكرة العربية التي علاها الغبار ، وكاد

ينخر في عظامها الصدأ ؛ وبعد أن حلّقت بعيدا مع الموسيقى ، ولأنني معني بالكلمات ، فقد

رحت أبحث خلف معانيها .

 تفسيرٌ ما استوقفني  ، قد لا يكون صحيحا ، لكن  شيئا ما بداخلي دعاني للميل نحوه  

يقول مطلع الأغنية : 

جلجل عليه الرمان .. نومي فزعلي 

 هذا الحلو ما اريده ..ودوني لهلي

ويقول القائل خلف المعنى، إن كاتب الأغنية كان يلمح للمحتل العثماني الذي أتعب البلاد والعباد 

بعلمه الأحمر وطربوشه الأحمر ( الرمان ) ، وأن النومي – الليمون – الحلو ، قد انتفض لأجله 

وهو يقصد به الإنجليز الذين ادعوا أنهم جاؤوا لنصرة العراق  !! تماما كما فعل توني بلير المعتذر عن قتل وتشريد وتعطيل مستقبل وطن لم يتوقف بنوه ليسألوه ويحاسبوه عن الخطأ ( غير المقصود ) ، بينما راح شاعرنا هنا يستطرد قائلا : هذا الحلو ما اريده .. ودوني لهلي

فهو يرفض وصاية المحتل الذي ارتدى قناعا جميلا بدعوى التحرير والإنقاذ ويقول حتى وإن كان ( حلوا ) فأنا لا أريده ، ويفضل أهله  ووطنيته  ليلوذ بها. 

يستطرد الشاعر بعدها قائلا :

يايمه لا تنطرين .. كافي النطاره

ما جوز انا من هواي .. ماكو كل جاره

وهو هنا يرفض ذلك الانتظار مخاطبا ( أمه ) أن ليس هنالك جدوى من الانتظار

وأنه لن يتنازل عن غايته  ولا مناص أو رجوع عن ذلك.

لا أعلم إن كان هذا تفسيري ، أم تفسير القائل أم ما رمى إليه الشاعر! ، وبما أن النص من حق المتلقي يؤوله كيفما شاء فقد أحببته هكذا واستمعت إلى اللحن والأغنية أكثر من مرة متسائلا : لماذا لا نحذو حذو الغائصين في أنهار الجمال العذبة !؟

أدرك وتدركون معي أن بداخلنا الكثير من الجمال ، فلماذا لا نتطلع إلى أعلى قليلا ؟

أستدعي الآن رائعة سيد درويش ( يا بلح زغلول ) التي رددها متغنيا بزعيم الأمة سعد زغلول وهو في المنفى مستخدما التمر رمزا ومعنى .

ندرك جميعا أن لدينا الكثير من أسباب الجمال ومعانيه التي تنبع من داخلنا ، فلماذا لا نستدعيها

نطورها ونلبسها ثوب المعاصرة ،عاملين معا بروح الفريق ، مستحضرين معنى الوطن ومتدرعين  بالمحبة والتسامح  ، ولننأى بأنفسنا بعيدا عن جلجلة الرمان ، وفزعة النومي.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان