ثقافية

قراءة في المجموعة القصصية قُد قميصكَ يا أبي لـ عبد السادة جبار حسين صابر

قد قميصك يا ابي”: هذه الجملة نادرة الاستخدام، اختارها القاص عبد السادة جبار عنوانًا لافتًا لمجموعة قصصية من اثنتي عشر قصة قصيرة ضمّنها في كتابه ذي المئة صفحة، والذي صدر عن دار السرد عام ٢٠٢٥.

◾️اسم الكتاب هو عنوان القصة السادسة، وكما يُلاحظ أنها جملة فعلية تبدأ بفعل الأمر قُدْ (قَدَّ، يقُدُّ، قُدْ)، والذي جاء في القرآن الكريم بصيغة المبني للمجهول (قُدَّ). وهنا لابد من الإشادة باختيار هذا العنوان الجاذب والمعبر بقوة عن ثيمة القصة.

◾️تتناول قصص المجموعة موضوعات مهمة من حياتنا الحالية – ولا أقول المعاصرة – لأنها تتحدث عن آخر تطورات حياة الإنسان العراقي، بعد التغيرات الدراماتيكية التي حصلت في بلدنا وما تبعها من تغير في سلوكيات الناس بنتيجة معاناة العيش في هذه الظروف، ففي القصة الأولى “مكتبة البنادق” يصف القاص ببراعة سلوك بعض الأفراد المشين، والذي يغطونه بتصرف يبدو جميلًا ومقبولًا أمام الآخرين، من باب المواربة.

◾️في قصة “رجل يبحث عن دكتاتور” يعري القاص عبد السادة جبار بمقدرة أدبية عالية نموذجًا طالما انتشر في مجتمعنا منذ نصف قرن، ولا يزال موجودًا بيننا، ذلك هو الفرد الانتهازي المتصاغر أمام أصحاب النفوذ، والذي يصنع لهم هالة إعلامية مستغلًا قدرته في الترويج، والمساهمة في صناعة الطغاة، الذين ينهارون بانهيار صنيعتهم.

◾️قصة “بين الدكتور وطريطش” ترسم في مشهدها الأول صورة مأساوية لنهاية عالِم عراقي يُقتَل في مكتبه بقصف معادٍ، ثم يعود القاص في (فلاش باك) إلى معاناة الدكتور خليل خلال مدة عمل المفتشين الدوليين عن أسلحة الدمار الشامل، واقتناعه بأن العدو لابد أن يدمر العراق، حتى لو لم يجد فيه تلك الأسلحة – وهذا ما حصل – ليودع الحياة بنتيجة تلك الغطرسة الهمجية (تراجيديا مؤلمة).

◾️وهكذا تتوالى القصص الشيقة التي نحتت بحرفنة عالية لتحقق مستلزمات القصة القصيرة الناجحة، حيث الحدث الواحد، البطل الواحد، الزمن الواحد، السرد المستساغ، الحوار المحدود، مما جعلها فنًا قادرًا على التقاط اللحظات الإنسانية المكثفة، وأعاد تشكيلها ضمن بنية سردية معززة بالإيحاءات والدلالات. تقدم هذه المجموعة تجربة سردية نابضة برصد حالات اجتماعية عديدة، أفرزتها التغيرات الكبيرة التي حصلت في حياة الإنسان العراقي، والمعاناة التي تمخضت عنها، والدخول إلى جوهرها الوجودي، متجاوزةً الوصف الظاهري.

◾️العنصر اللافت هو الفكرة الذكية التي بنيت عليها كل قصة، والتي تسحب انشداد القارئ من الثيمة إلى فكرة البناء كما بدا جليًا في بنيوية قصة “قد قميصك يا أبي”، حيث تمثلت بدايتها بمشهد درامي عنيف، بدا للوهلة الأولى كحالة من العنف الأسري لاب تجاه ابنه الوحيد، لكن الانعطافة التالية للسرد سرعان ما تقودك لاستيعاب الدافع الإنساني الكبير الكامن وراء فعلة الأب، والتي تمخض عن نتيجتها تغير إيجابي في حياة الابن والعائلة، مما أثار إعجاب إدارة مدرسة الابن بالتغير الذي حصل له بعد تلك الحالة.

◾️عمل أدبي قيم يثري مكتبتنا الأدبية، في واحد من الأجناس الأدبية المهمة.. أثني على الأديب عبد السادة جبار، متمنيًا له التوفيق والنجاح المضطرد.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان