ثقافية

قصة حوارية

سنوات العجاف

عباس عبد الرزاق

في تلك الليلة التي هبّت فيها رياح الجنوب كأنها تحمل عظام القرون الماضية، جلس الأب على عتبة البيت، الذي علّقته الذاكرة على كتفه كما تُعلّق بندقية الذكرى الأخيرة في تقويم السيرة الذاتية.

كان الليل ثقيلاً، لكن شيئاً من الضوء ظل ينساب من عينيه كأنه قادم من زمنٍ آخر لم يعد أحد يتذكره.

اقترب شیرکۆ، ممسكاً بظله كما لو أنه يخشى أن يهرب منه، وقال بصوتٍ أكبر من عمره:

«أبي… هل استحقّوا كل ما منحتهم؟

هل استحق حزبك شبابك، جراحك، تشظينا نحن؟

هل كانت حياتك ثمناً لا يليق بمن لا يعرف قيمتك؟»

توقف الأب للحظة، واستمع للسكون، وكأن السؤال لم يكن من ابنه بل من السنين نفسها، صوت السنوات العجاف التي ارتدت لساناً بشرياً لتطالبه بالحساب.

ابتسم ابتسامة حزن صامتة، وقال كمن يحدّث شجرةً طيبة الطعم:

«يا بني… لا أحد يستحق حياة أحد.

لكن القضية وحدها كانت تستحق أن نحيا لها… لأنها كانت تكبر داخلنا أكثر مما تكبر الأحزاب.»

جلس الابن مقابله، والريح تعصف بينهما كأنها تحمل شظايا الذاكرة.

صافرتها تعود خلف الجدار الحديدي (فو فوفوو)، كأنها تذكّر بسنوات مضت، لا يمكن محوها.

شیرکۆ:

«لكنهم… لم يضحّوا بأبنائهم كما ضحّى بك الزمن.

نحن تفتّتنا، تمزّقنا، تناثرت أعمارنا بين السجون والمنافي… وأمي كانت تُساق إلى دهاليز التحقيق وأيام مظلمة، ونحن ننتظر عودتها، وأنت هناك…

أما هم اليوم يعيشون كأن شيئاً لم يكن! فلماذا إذن؟»

الأب:

«لأننا كنا نحاول أن نربي في تلك البلاد قلباً جديداً…

وما كنّا نفهمه آنذاك، أن من يختار أن يحمل قضية فوق كتفه، لا يعود صاحب جسده… يصبح جسده ملك الطريق.»

ظل الابن صامتاً، يشعر أن كل ندبة في وجه أبيه تحكي فصلاً من تاريخٍ معلّق على أغصان الأشجار في القرى التي احترقت.

شیرکۆ:

«وماذا عنّا نحن؟

عن طفولتي التي ولدت ناقصة لأنك كنت في الجبال؟

عن أختي التي كبرت بلا عيدٍ حقيقي؟

عن أمّي التي كانت تنتظر ظلّك، تحمل على أكتافها همومنا، وهي ملاحقة، تعيش في الجوع؟

أما كان يمكن للحياة أن تكون أقلّ قسوة؟»

رفع الأب رأسه نحو السماء، ولمع في عينيه شيء يشبه بقايا نجمة ماتت منذ ألف عام:

«يا بني… لو عاد الزمن ألف مرّة، لفعلتُها ألفاً.

لكن ليس من أجل الحزب، ولا من أجل اسمٍ على لافتة… فقط من أجل ألا نعيش عبيداً.

من أجل أن تصحو أنت اليوم وتستطيع أن تسألني هذا السؤال بلا خوف.»

تأمل الابن هذه الكلمات طويلاً.

كان يعرف أن الأب لا يكذب، فالحقيقة عنده كانت دائماً أشبه بحجرٍ ساخن لا يمكن الإمساك به دون حرق.

شیرکۆ:

«أفهمك يا أبي…

لكنني أراك اليوم وحيداً في زمنٍ لا يكافئ الذين حملوا روحه.

هل نُسيت؟ هل أصبحت مجرد سطر في أرشيف حزبٍ لا يعرف حتى أسماء شهدائه، ولا يحاول هدم الطريق الذي أتاح لنا هذا اليوم؟»

ضحك الأب، لا سخريةً ولا حسرةً، بل ضحكة من يدرك مهزلة البشر منذ بدء الخليقة:

«من يطلب من الذاكرة أن تكافئه… كمن يطلب من الريح أن تثبت قدميه.

يا ولدي… الناس ينسون، الأحزاب تنسى، الساسة ينسون… لكن الأرض لا تنسى.

الشجرة التي زرعتها قرب النهر ما زالت تناديني، والأغنية التي كنت أهتف بها في أول مظاهرة… ما زالت تعيش في صدور غرباء لا أعرفهم.

وقد جفت أوصال الذكرى والمحن… كيف يمكن أن يعرفوني وأعرفهم؟»

شیرکۆ:

«وماذا بقي لك اليوم؟»

الأب:

«أنتم… أن يكون لي ابن يسألني الحقيقة… فهذا وحده يكفي ليملأ سنوات العجاف مرة أخرى.»

ساد الصمت.

كانت الريح تهدأ شيئاً فشيئاً، وكأن الليل نفسه خاف أن يواصل الاستماع.

اقترب الابن، ووضع يده على يد أبيه، التي قستها الجبال والسجون والغربة والنضال.

شیرکۆ:

«إذن أنت لم تخسر يا أبي… ربما خسر الحزب، وربما خسر الزمن… لكن روحك لم تخسر.»

هز الأب رأسه، كمن يعترف أن الحقيقة خرجت من فم أصغر منه بعقود:

«نحن لا نخسر حين نُهزم… نخسر فقط حين نتوقّف عن الإيمان بما بدأناه… حين يسيطر المتخاذلون والمتملقون والفاشلون، ويصبح صوتنا كاتماً…»

وفي تلك اللحظة، شعر الابن أنّ السنوات العجاف لم تكن مجرد سنوات، بل كانت حياة كاملة، تشبه الأشجار التي لا تنمو إلا على سفوح قاسية.

وأنّ أباه — بكل ما حمله من جراح — كان آخر الشهود على زمنٍ حاول أن يصنع للناس شمساً في ليلٍ بلا نهايات.

وقبل أن يغفو الليل على كتفيهما، قال الأب بصوتٍ خافت:

«يا بني… حين تكبر وتروي قصتي… لا تكتب عن الحزب… اكتب عن القلب.

فالقلب وحده يعرف لماذا نذرتُ كل ذلك.»

وانطفأت الريح.

وبقيت الكلمات معلّقة في الهواء، كأنها آخر ما تبقّى من سنوات العجاف

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان