أسامة عبد الكريم
يشكّل طور المراهقة لحظة عبور دقيقة بين الامتثال والاكتشاف، بين سلطة العائلة ونداء الذات. في هذه المنطقة الرمادية يتكثّف التوتر: رغبة في الطاعة من جهة، ونفور منها من جهة أخرى، بوصفه شرطاً لتكوين شخصية مستقلة. فيلم «الصراط» للمخرج الإسباني أوليفر لاخس يلامس هذه الجدلية عبر رحلة تبدو خارجية في المكان، لكنها في جوهرها داخلية في الوعي. فالشباب هنا لا يتمرّدون لمجرد العصيان، بل لاختبار حدودهم وصوغ تعريفهم الخاص للحرية. تُظهر التجربة السينمائية أن النفور من طاعة الوالدين ليس انقطاعًا عن الجذور، بل محاولة لإعادة تأويلها. فالمراهقة مارلا، لم نشاهدها في الفيلم والاب يبتعد، يفتّش عن صوته الخاص وسط ضجيج التوقعات. الرحلة، بما تحمله من أخطار وانجذابات، تتحوّل إلى مختبر للهوية؛ إذ يختبر الجسد كما تُختبر القيم، وتعاد صياغة الأولويات بين الانتماء والرغبة. في هذا السياق يصبح العصيان لحظة تعلّم قاسية يتعرّف فيها الشاب إلى هشاشته وقوته معًا. لا يقدّم الفيلم إجابة أخلاقية جاهزة، بل يترك المسافة مفتوحة بين الأجيال، ليؤكد أن النضج لا يولد من الطاعة العمياء ولا من التمرّد الأعمى، بل من تجربة واعية تعبر «الصراط» الخاص بكل فرد. وهكذا تتبدّى المراهقة مرحلة تأسيسية، يكون فيها الابتعاد المؤقت عن سلطة الوالدين خطوة ضرورية نحو العودة إليهما بوعي ومسؤولية أكبر.
في فيلمه «الصراط» يواصل المخرج الإسباني الفرنسي أوليفر لاخس مشروعه السينمائي القائم على الرحلة بوصفها امتحانًا أخلاقيًا ووجوديًا. العنوان، الذي يعني «الطريق»، ويحيل أيضًا إلى الجسر الرفيع بين الجحيم والفردوس، ليس مجرد استعارة دينية، بل هو بنية درامية: شخصيات تعبر فضاءً صحراويًا بين إسبانيا والمغرب، فيما ينهار العالم من حولها على وقع أخبار توحي بحرب عالمية ثالثة.
يفتتح الفيلم بمشهد طويل لإعداد مكبّرات الصوت في صحراء مغربية؛ تتردد ضربات الإيقاع بين التكوينات الصخرية، ويتمايل الراقصون ككائن واحد في نشوة جماعية. يقلّ الحوار في الدقائق الأولى، ويعتمد لاخس على قوة الصورة والصوت. يصوغ مدير التصوير ماورو هيرسي لقطات على خامة 16 ملم تتواشج مع موسيقى كانغدينغ راي لتوليد حسّ طقوسي أقرب إلى حجّ دنيوي. غير أن هذا الملاذ الهامشي ينهار مع وصول جنود مسلّحين يأمرون بإخلاء المكان.
في قلب الحكاية يقف لويس، الذي يؤديه الممثل الاسباني ( سيرخي لوبيز) أبٌ يبحث عن ابنته مار المفقودة. يرافقه ابنه إستيبان ( الممثل برونو نونيث أرخونا) وكلبهما. وينضمّان إلى مجموعة من روّاد الحفلات: جايد (جايد أوكيد)، تونين (تونين جانفييه) ذو الساق الاصطناعية، بيغوي (ريتشارد بيلامي) الذي فقد جزءًا من ساعده، ستيف (ستيفانيا غادا)، وجوش (جوشوا ليام هندرسون). معظمهم ممثلون غير محترفين اكتشفهم لاخس في حفلات مماثلة، ما يمنح الأداء عفوية نادرة. أما لوبيز، المعروف بدوره القاسي في «متاهة بان»، فيقدّم هنا صورة أبٍ هشٍّ وممزّق يعيد تجميع ذاته مع كل خسارة.
في «الصراط» يتعمّد لاخس أن يُسمعنا إيقاعات إلكترونية لا تمتّ بصلة مباشرة إلى الموسيقى المغربية التقليدية، كأنها جسد صوتي غريب هبط على الصحراء. يخلق هذا التنافر مفارقة بصرية ــ سمعية: دراويش جدد يرقصون على إيقاع الديسكو، بنشوة شبه صوفية بلا سند تراثي محلي. ويقدّم أصحاب مكبّرات الصوت بعلّاتهم الجسدية الظاهرة ــ ساق اصطناعية وذراع مبتورة ــ بوصفها علامات هشاشة إنسانية، في مقابل عاهة من نوع آخر يحملها لويس: فقدان الابنة والتيه الأبوي. الجميع يتحرّك بحرية في فضاء الصحراء كما يرقص، غير أن هذه الحرية معلّقة على حافة كارثة كامنة. يصبح الصوت قدرًا، والرقص محاولة لتعليق السقوط.
يتحوّل الفيلم من لغز اختفاء إلى فيلم طريق صحراوي، يستحضر أصداء «Mad Max: Fury Road» في صور القوافل وتبادل الوقود والمؤن، كما يذكّر ببنية الرحلة الروحية في فيلم (ميموزا ــ ٢٠١٩) للاخس نفسه، حيث كان عبور الجبال امتحاناً للخلاص. هنا الطريق أضيق وأقسى؛ الصخور تتداعى على الحواف، والسيارة ملاذ وفخّ في آن واحد. حادثة ابتلاع الكلب لمخدر LSD تبدو نذيرًا، لكن الكارثة في «الصراط» لا تُمهَّد دائماً؛ إنها تباغت كما تفعل الألغام المدفونة.
في الربع الأخير من الفيلم، وبعد سقوط ضحايا الألغام وتضاعف الفقد — ابن يُنتزع إثر انحدار السيارة في وادٍ، وابنة تظل في المجهول — يبلغ لويس ذروة التحوّل. يقرّر السير مستقيماً في حقل ألغام، كأنه يختبر معنى (الصراط) حرفياً: طريق واحد، بلا التفات، بين الهلاك والنجاة. المفارقة أن عبوره يتمّ بسلام، لا بوصفه معجزة، بل كفعل تسليم وجودي يجرّد الخوف من سلطته. تنتقل الكاميرا بعدها إلى ظهر قطار يضمّ أهالي الطوارق، في صورة تحيل رمزياً إلى فيلمه (ميموزا) ، حيث كانت القافلة تبحث عن درب يمهّد لسكة حديد.
يتسرّب البعد السياسي من الجغرافيا؛ فالتصوير في أراضٍ مغربية جنوبية قريبة من مناطق نزاع قديمة وحقول ألغام في تخوم الصحراء المرتبطة بسياق البوليساريو يضفي توتراً صامتاً. هنا أيضاً، لا يكون الطريق خلاصاً فردياً فحسب، بل أفقاً جماعياً يُعاد تخيّله فوق رمال اعتادت ابتلاع المسارات. إسبانيا والمغرب ليسا خلفية سياحية، بل فضاءين متداخلين لحدود ملتبسة، حيث تتقاطع الثقافة البديلة الأوروبية مع تاريخ استعمار وصراعات لم تُحسم. تعمّق نشرات الأخبار المسموعة عن حرب وشيكة الإحساس بأننا نرقص على حافة نهاية عالم بدأت ملامحه منذ زمن. الفيلم عُرض في مهرجان كان السينمائي ونال جائزة لجنة التحكيم، وهو تقدير ينسجم مع جرأته الشكلية، خصوصًا في اشتغاله على الصوت كعنصر درامي موازٍ للصورة، ثم تم ترشيحه ليمثل في جوائز الاوسكار.
في مشهد متأخر، تُنصب مكبرات الصوت مجددًا في قلب العزلة، ويستعيد لويس الإيقاع. لا يشرح الفيلم تحوّله، بل يترك الجسد يعبّر. ومع ذلك، لا يسقط لاخس في العدمية. فوسط العواصف المطرية والطرقات الجبلية الوعرة تتشكّل روابط رحيمة: عودة رفيقين لمساعدة لويس وابنه، تقاسم الوقود، والتفاف الأجساد طلباً للدفء في شاحنة واحدة. يرفض الفيلم إجابات سهلة عن النجاة أو الهلاك؛ فمصير من ينجو ومن يسقط يبدو محكوماً بقدر لا يُختزل في منطق درامي تقليدي.









