ثقافية

قصص قصيرة جدا

حسن عبد الرزاق

 

الشجرة الانكليزية

هرمت شجرة اليوكالبتوس .. الشجرة التي زرعها الانكليز قبل تسعين سنة .

جذعها انحنى على الشارع العام المحاذي لحديقتها ،  وصار يخيف الناس جميعا  حين يمرون من تحته.

لكن ..

لاالبلدية تجرأت على اقتلاعها ، ولاالخائفون منها ، فضخامتها الهائلة ترعب الافئدة وتجبرها على  عدم التحرش بها وتركها كما هي .

  قبل بضعة اشهر ، هاج الشتاء ليلا وارسل الى المدينةعاصفة مجنونة ، فاهتز ذلك الكيان  اهتزاز قصبة صغيرة ، وهوى بكامل هيبته المزمنة ليتمرغ بوحل الارض الممطورة  .

مالفت انتباهي  وجعلني الطم جبهتي  صباحا ، هو النخر الكبير الموجود في اسفل ساقها والذي استهدفته الريح الرعناء .

فهذا النخر كان مغلفا بلحاء جعل جميع العيون المبصرة لاترى ما في داخله ، في حين  وحدها 

العاصفة العمياء رأته ،  واستهدفته بصولة عنيفة واطاحت بضخامته الكاذبة .

بعوض

انتظرت الربيع لمدة شتاء مفعم بالبرد المميت ، وعندما ولد ، ذهبت في يوم ميلاده الى احد البساتين لكي انتعش بوجه حياته .

هناك ..

كادت روحي ان تشرب جماله الرائع بعطش المحروم ، لولا  جموع البعوض التي ولدت معه ..

  حيث تدفقت اسرابها  نحوي من كل مكان وهاجمتني بكثافة  ، الى ان طردتني من قلب الربيع بسرعة . 

غراب سائب

حط غراب على حافة سطح البناية العالية المجاورة ونعق  . 

من باحة دارنا الشرقية المتصلة بالسماء مباشرة ، ارسل بلبلي المحبوس في القفص صفيره عموديا الى ذلك الطائر ، وقد كان كالعادة صفيرا جميلا .

  رمى السائب نعيبه من الاعلى ثانية ، وقد كان واضحا انه يرد على صوت البلبل ، فعاد هذا المدجن  ليرسل اليه صفيره  من جديد بنبرة  اعلى واطول . 

  مضى وقت طويل والطائران يتبادلان الاصوات :

 نعيق .صفير .نعيق . صفير. نعيق .صفير .

غير انه :

لاالغراب بدَل حنجرته ولاالبلبل ايضا ،  وانما الذي لاحظته ان طائري الخاص  صارت تنتابه حالة من الصمت المشوب بالحيرة  قبل ان يرد على النعيق .

 ولكي اتخلص من هذه الرطانة ، ولاني اعتقد ان الزمن قد لايكون في صالح البلبل في النهاية ، فقد حملته الى غرفة قصية لايصل اليها أي صوت  واوصدت عليه الباب ، فيما تركت الغراب يصوّت  بلا جواب حتى يئس وطار الى مكان اخر . 

شطرنج

فحت البوم ذكرياتي القديمة من باب قتل الفراغ ،  ومشيت به الى  ثلاثين سنة ماضية .

في احدى الصور الملونة وجدتني افترش ارض الحرب بملابس صيفية وقبالتي جندي مكلف  يلاعبني الشطرنج خلال فترة استراحة ما .

على جانبي الرقعة احصيت قتلاه وقتلاي فكانوا :

عشرة جنود وحصانان وفيلان ، فيما الوزيران والقلعتان لايزالون على مربعات المعركة وجميعهم مهددون  بالقتل والخراب ولو بعد حين .

لم اتذكر من منا فاز في تلك الجولة ،  فالامر ماعاد يعنيني رغم ان التحدي كان يجعل الفوز وقتها مهما لنا معا .

ضفدع

وسوس له شيطان الضفادع ان يترك مستنقعه الواقع في (خرابة )قديمة ، ويذهب نحو الحديقة العامة .

في الشارع ..

وبينما كان يتبختر بقفزاته البطيئة ، عابرا صوب المكان الذي حلم به ، تلقفته اقدام صبية متهورين ، وطفقت تتسلى فيه بقسوة الى ان اضاعت منه المستنقع والحديقة معا . تغليف

تغليف 

بيتهم القديم الذي بناه جدهم ومضى  .. البيت الذي تقوست جدرانه  وتساقط طلاؤه كاشفا عن حجارة متاكلة ،  نصح اهله بتهديمه وبناء اخر على انقاضه  .

رفض ابوه واخوته الاقتراح  وقالوا  :

– البيت متين وسليم وعقلك هو المتاكل .

وبدلا من التهديم غلفوه بالفلين المضغوط البراق الذي صرف عيونهم  نحو الوانه وانساهم ماغدا وراءها .

قال لهم وهم مزهوون  به :

– هذا خداع للبصر ليس الا .

فضحكوا على ابنهم المتفلسف  وطلبوا منه الاعتناء بدماغه المصاب بالوساوس .

بعد شهر فرح عاشوه بين الالوان ، صدمت البيت ليلا ،  سيارة يقودها سائق متهور   ، فاهتزت الاركان بشدة  وتشققت الجدران  ، وكاد ان ينهار  على رؤوسهم . 

 عندها فقط ، عرفوا ان التغليف مجرد خداع بصر لاغير  .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان