ثقافية

الخطاب البعدي والقراءة المحافظة في "اعترافات جورج باركر"

الدكتورة:  عالية خليل إبراهيم

 

    ضمن إطار نقد النقد أجد من الصعوبة تصنيف المنهج أو الأطر النقدية اللذين ألف في ضوئهما الناقد (صادق ناصر الصكر) كتابه عن تجربة الروائي (علي بدر) والتي عنوانها بـ(اعترافات جورج باركر) وهذا الاسم يعود للراوي في (الركض وراء الذئاب) .

 الكتاب لم يخرج من معترك الدراسات الأكاديمية، وهذا ما جعله ممتعا في التلقي وجريئا في الطرح من جهة ومتهافتا منهجيا واصطلاحيا من جهة ثانية،فالناقد (الصكر) من الذين مازالوا يواصلون مهمة النقد الأدبي بدأب شديد معتمدين على ثقافتهم الفردية من دون أن يغريهم وهج الالتحاق بالمؤسسة الأكاديمية، ولكل من الدراسة النقدية خارج المؤسسة وداخلها سلبياتها وايجابياتها إلا أن الأكاديمية تمنح روادها الطريقة المثلى في قواعد التأليف الجيد من الناحيتين العلمية والموضوعية.

الكتاب ومن عتبته الأولى(اعترافات جورج باركر-تجربة علي بدر) يطرح اشكالية العلاقة بين الروائي وشخصياته التي يقوم بصناعتها، تلك العلاقة التي طرحها (باختين) بوصفها سؤالا جذريا في التأليف بدونها لا تحقق شعرية الخطاب، ولهذه العلاقة تراتبياتها الشكلية والدلالية والتي تتعلق بقضايا وجهة النظر والتبئير والثنائيات المفترضة بين المؤلف والراوي وبين الراوي والشخصية وبين مستوى التمثيل “من يرى” والكلام الممثل” من يتكلم”. 

  مؤلف الكتاب لا يلتفت لتلك العلاقة الشائكة ولا بثنائياتها ثم يصف دراسته بالثقافية وهي ليست كذلك، فالدراسة الثقافية تهدف لتقشير سطح الخطاب الجمالي واللغوي وكشف الحيل الأسلوبية والبلاغية التي تستخدمها النصوص للولوج الى باطنها السياسي والاجتماعي، وليس ذلك ما قام به الناقد وإن كانت مداخله ثقافية مثل المرأة والهوية ونقد النخبة، فهو يتجه مباشرة لمحاكمة قصدية (علي بدر) ووعيه التاريخي والايديولوجي من خلال طرحه لنماذجه الشخصية بالعودة إلى لعبة تبادل الأقنعة بين الروائي وشخصياته، فيقول في المقدمة” إن علي بدر، وأتمنى أن يكون هذا التشبيه موفقا يقوم بوظيفة أكثر من كونه يؤلف روايات” .. يدور الجدل عن النوايا والمقاصد ببعديها الأيديولوجي والتداولي، يعد (جورج باركر) نفسه موظفا ثقافيا يؤلف الروايات بمقاسات الرؤية الما بعد حداثية للتاريخ والإنسان، أما صناعة المتخيل فمجرد قوالب أو كليشيهات جاهزة يصب فيها أفكاره (بحسب ما يقوله الصكر) والأخير بدوره بوصفه قارئا هو الآخر لا يهتم بالقطب الجمالي لتلقي الرواية وإنما بالمقاصد “الواقع التاريخي والسياسي” بما يشبه النفاذ الى ذهنية (علي بدر) ومحاولة دراسته دراسة نفسية لها جانبها القيمي والأخلاقي، في اخر فقرة في المقدمة يلخص رأيه بقوله:” اعترافات جورج باركر هي قصة كاتب لديه إمكانيات ممتازة في فن الكراهية، وهو يكتب الروايات لمساعدة الاخرين على تعلم هذا النوع من الفنون ” ،ويصفه بأنه لا يكتب عن شخصيات محترمة أبدا فكل شخصياته وضيعة هم ببساطة فوج من الثعالب، الصفحة(137)،وأنه صورة المرأة العاهرة هي الشائعة في روايات، صفحة(17)، وأنه يخرب سمعة النخبة الثقافية،صفحة(152)، وبأنه لا يعرف الحب ولا يكتب عنه لأنه مستغرق في ملذاته الحسية من خلال نماذجه الشخصية. وبذلك يسحبنا (صادق الصكر) شيئا فشيئا من الحوار في خطاب الرواية إلى دائرة السجال في (من هو علي بدر)؟ ،ويجعل قارئه يتورط في لعبة التلصص على أفكار المؤلف وحياته الشخصية، وهنا يكمن تهافت الكتاب لأنه يغضي من قيمة الرواية التي يكتبها بدر من جهة ويضخم من شخصه من جهة أخرى بوصفه هو من يمثل الظاهرة الثقافية وليس ما يكتبه. وهنا لا أريد أن أدخل طرفا في السجال لأرد أو أناقض ما جاء في الكتاب من خلال قراءتي لتجربة (علي بدر) فذلك يحتاج إلى صفحات مطولة لأن هذه التجربة فيها من التنوع والغنى بقدر ما فيها من التكرار والنمطية اللتين أذاعهما الناقد، ولا شك أن الناقد تعسف أحيانا وأكره النصوص لكي تستجيب لوجهة نظره ورؤيته الذاتية. 

أريد أن أثبت أن النقد قد يحتاج وفي هذا الوقت بالذات لأسلوب المحاكمة العلنية للنصوص وكتابها والأيديولوجيات التي يروجون لها، لأن سياسة الترويج للأفكار والإخلال بالثوابت الوطنية والأخلاقية تبدو مشهدا صارخا في الثقافة العراقية، لكن بشروط  منهاعدم ترجيح دراسة مقاصد المؤلف على حساب مقصدية النص، وعدم تجاوز الثوابت المعرفية “الاصطلاحية والمنهجية” لإنتاج الخطابات ومنها الرواية. 

 قد يطلق على هذا النوع من النقد (محافظ) على النقيض من النقد الما بعد حداثي والذي يروج لثقافات الهجنة والنقض والقطيعة مع الموروث ويمثل اطروحة (علي بدر) في الكتابة الروائية، ونقد محافظ فرع من النقد الأيديولوجي مع ملاحظة أن  المنهج مقنن سلفا في الدراسات الأدبية من (لوكاش) وحتى (بيير زيما) . وقد يكون هذا التوجه في الكتابة استعادة للنقد من منطلقات اخلاقية وقيمية والذي كان معروفا من بداية القرن العشرين وحتى منتصفه واضمحل بعد وفود نظريات الحداثة وما بعدها والتي ازاحت الثوابت وخللت اليقين بالفلسفة والتاريخ والانسان،أيا كانت التسمية التي تطلق عليه فمن المهم أن يكون متواجدا على خريطة النقد لضرورته الراهنة.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان