كتاب الحقيقة

سياسيون (أكسباير)

عدنان الفضلي

مثلها مثل كل الممارسات ، تعدّ السياسة صناعة بحد ذاتها ، ومن يمارسها يُنتظر منه منتجاً صالحاً للتداول في المجتمعات التي يعملون ضمن أطرها ، وعليه فاننا دائماً ما ننتظر من السياسي الحقيقي ان يعطينا منتجه القابل للتداول ، وان يقنعنا بأنه يشتغل في السياسة من أجل المجتمع الذي ينتمي له ، والا فانه وبعد ان يمنح الفرصة الكاملة ولا يحقق شيئاً ولا ينتج أفكاراً تنفع المجتمعات ، سيركن في خانة الفاشلين المنتهية صلاحيتهم.

في العراق وللأسف الشديد نمتلك سياسيين ، مارسوا السياسة من دون دراية بمقومات صناعتها ، وحصلوا على الفرصة الكاملة والوقت الكافي لكنهم ومع كل خطوة يمشونها باتجاه صناعة أفكار جديدة ، لا ينتجون لنا سوى خيبات أمل تتناسل بداخلنا ، ولا يصنعون لنا سوى جملة من الارتباكات والارباكات التي أضرت بمجمل الصناعة السياسية العراقية المعاصرة ، كون الذين ركبوا الموجة ليسوا سوى نفعيين وانتهازيين دخلوا اللعبة السياسية من باب البحث عن أكبر عدد من المغانم ، واعتمدوا في دخولهم على الفترة الطويلة من التغييب التي عاشها الشعب العراقي ، الذي فقد خيارات تقدمه منذ أغتيال الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم.

الأحزاب السياسية التي جاءت بعد انهيار الصنم البعثي ، وانتهاء اطول فترة من القمع الفكري التي أدارتها المؤسسة البعثية ، بمشاركة (القومجية) وبعض المنتفعين من الدكتاتورية الصدامية، لم تستطع ان تؤسس لنفسها صناعة سياسية حقيقية قادرة على منح المجتمع افكاراً تليق بموروثهم الحامل للريادة ، بل انهم اشتغلوا على تمزيق كل الأفكار التي أسست لها الأحزاب التقدمية والوطنية ، مثل الحزب الشيوعي العراقي ، والحزب الوطني الديمقراطي ، وكذلك الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة (مام جلال) ، اذا ما اعتبرنا ان المجتمع الكردستاني متواجد ضمن النسيج العراقي الواحد ، فالاحزاب الجديدة ولشعور بعضها بالدونية ، وتخوفها من الخزين الفكري الذي تمتلكه الاحزاب التقدمية ، وخصوصاً اليسارية منها ، صارت تلجأ للعنف كوسيلة لايقاف مدّ التأثير الفكري لهذه الأحزاب ، وهو المدّ الذي لا يمكن لأحزاب فتية وذات رؤى ضيقة أن تتصدى له من دون خنق لمنظومة الفكر التقدمي ، وهذا تجلى في ما حدث من قمع فكري في جميع مؤسسات الدولة ، حيث فرضت الاحزاب الجديدة ، وخصوصاً الدينية منها (واقع الحال) على جميع القوى الوطنية والعقول المفكرة والمنتجة ، واحتكرت لنفسها كل منافذ التأثير على المواطن العراقي الذي صار مقتنعاً بواقع الحال هذا.

لكن بالنتيجة ، اثبتت الاحزاب السياسية لفترة ما بعد سقوط البعث ، ان القائمين على ادارتها ليسوا سوى سياسيين (أكسباير) ، توقفت منظومة فكرهم عند محاربة كل ما من شأنه ان يرفع من حالة الوعي لدى المواطن العراقي خوفاً من ان يستطيع تقييم وفهم ما يدور حوله ، فيقوم برمي كل من انتهت فترة صلاحيته في مزابل التاريخ ، وما اكثرهم هؤلاء الذين انتهت فترة صلاحيتهم كمشاركين في العملية السياسية العراقية الجديدة ، التي لا تحتاج الان سوى نهضة فكرية كبيرة تدار من قبل القوى الديمقراطية والوطنية والتقدمية حتى نستطيع انتشال شعبنا المسكين ، من واقع الحال الذي تريده الأحزاب الرجعية ان يبقى سرمدياً ، من أجل الحصول على مغانم اكثر ، واحتكار السلطة للأبد..!!. 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان