هذه هي المرة الثانية التي أشارك فيها بمهرجان (ابو تمام) الشعري في مدينة الموصل، حيث كانت المرة الأولى عام 2012 أي قبل دخول أوباش داعش الى هذه المدينة العظيمة بتاريخها وثقافتها وناسها الطيبين الكرماء جداً، رغم ما يتطرف به البعض عن (البخل) الذي لم أجد له وجوداً في المشاركتين.
في مشاركتي الثانية، كنت وأسوة بزملائي أعيش بعض القلق بسبب الوضع الأمني الذي يقدمه لنا الإعلام المحلي والعربي على انه غير مستقر ومخيف، ولكني فوجئت بشيء رائع، وهو ان الأمن كان مستتباً، بل لن أكون مبالغاً لو قلت ان الموصل اليوم أكثر أمناً مما كانت عليه عام 2012 يوم كانت (الدشاديش القصيرة) هي من تتحكم بمصائر الناس وأرزاقهم، وحتى أنقل الصورة واضحة وجلية، سأقول اني وخلال تواجدي لثلاثة أيام في الموصل لم تصادفني دبابة عسكرية او دشداشة قصيرة، في الوقت الذي وجدت (المدنية) وقد عادت للمدينة، حيث الشباب والصبايا يروحون ويجيئون في شوارع أيمن الموصل وأيسرها، وقد ارتدوا ثياباً زاهية تجعلك تشعر بأن الموصل انتفضت فعلاً على الفكر الظلامي الذي قمع (مدنية المدينة) في السنوات الأخيرة، كما كانت منطقة الغابات وكورنيش دجلة تشع بهاء وهي تستقبل العائلات الموصلية في مقاهيها وحدائقها رائعة الإخضرار، ورغم تساقط الأمطار الكثيفة، كانت الشوارع تغتسل بالمطر وضحكات العائلات.
نعم، الموصل التي رأيتها خلال الأيام القليلة التي تواجدت بها، منحتني انطباعاً بان هذه المدينة ورغم وابل الوجع والدمار الذي تساقط بين أحضانها، أثبتت أنها طائر العنقاء الحقيقي الذي ركل الرماد والقبح بعيداً وطار محلقاً في سماء مفتوحة، حيث كان للنينويين دور كبير في هذه الإنتفاضة عندما رموا خلفهم مأساتهم وراحوا يؤثثون لمدينة جديدة تبزغ من بين هذا الدمار، وهو ما قاله لي صديقي رئيس اتحاد أدباء نينوى عبد المنعم الأمير، حين أكد لي ان الهدف من إقامة مهرجان ابي تمام، ليس الشعر وحده، بل الهدف منه ان يكون اللبنة الأولى في إعادة إعمار الشخصية الموصلية، وهذا الحديث جاء في كلمته المؤذنة بانطلاق المهرجان حيث قال رداً على بعض المنتقدين” اننا نريد ان نعمر النفوس قبل الاحجار فما دمر المدينة الا النفوس الخربة”.
نعم كان المهرجان ومنظموه وجمهوره على قدر عال من المسؤولية، فقدموا لنا أنموذجاً في الجمال الذي يتفوق على القبح عبر فعاليات رائعة ننحني لها ولجميع منظميها، ونصفق كثيراً لجميع أعضاء الهيئة الإدارية في اتحاد أدباء نينوى يتقدمهم أمير ثقافتهم الشاعر الخلوق والمبدع عبد المنعم الأمير، وحتماً ان الشكر موصول لجميع من أسهم في نجاح هذا الكرنفال الكبير من الشعراء العراقيين والعرب، وكذلك لأعضاء قيادة الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق يتقدمهم أمينهم العام الشاعر إبراهيم الخياط، الذي كانت له كلمة أكثر من رائعة تلاقفها الموصليون بنشوة من تطبب من جرح عميق بحفنة من كلمات تبشر بعراق جديد وموصل أكثر تجددا.
والعراق من وراء القصد





