عالية خليل ابراهيم
{حكايا بكايا شرح يطول , لوما جرادة ما علق عصفور} من وحي حكايا والدتها تكتب الروائية حنان الشيخ سيرة تلك الام اللبنانية المرحة والعنيدة في ذات الوقت .{حكايتي شرح يطول} قصة امراة تجبر على الزواج وهي ما زالت تحلم بالحلوى واساور الشمع الملونة, لكنها لم تستسلم او تخضع لمصيرها الدي قرره الجرذ عندما عض يد شقيقتها وماتت نتيجة للتسمم ولتقرر العائلة بعدها تزويج الطفلة (كاملة) من زوج شقيقتها الذي تمقته وتسميه البعبع,كاملة تثور في وجه القهر والخضوع والاذلال, تحب رجلا غيرزوجها,تطلب الطلاق وتحتمل الضرب والاهانة والتنكيل من قبل اخيها
لتتزوج بحبيبها,تترك ابنتيها فاطمة وحنان بعد زواجها عند زوجة الاب, كاملة لاتطيق اعمال المنزل لانها تجعلها كحمير الحجارة ,تعشق السينما والاكل والثرثرة والزينة واللهو والضحك والتدخين, لاتعبأ بالمال كسولة و مبذرة, تدافع عن رغابتها البسيطة ولو بالسرقة,وفي الوقت الذي تسرق فيه ازواجها لا تتردد ببذل المال على الفقراء والشحاذين والمحتاجين!. وهي لاتنكسر او تيأس بعد موت زوجها الثاني وتحملها اعباء الحياة واولادها الاربعة بمفردها, تظل تضحك وتبكي تمرح وتحزن تعلو وتهبط مع امواج الحياة المتلاطمة, تضطرها الحرب الاهلية اللبنانية للخروج من لبنان الى الكويت ومن ثم الولايات المتحدة لكنها تظل مشدودة بخيط سري الى وطنها الحبيب وتعود اليه مسرعة بعد ان تنتهي الحرب,تموت بعد رحلة حياة حافلة بالتمرد ورفض الخضوع والعشق للحياة وتدفن في مسقط رأسها{النبطية} في الجنوب.
لقد وجدت حنان الشيخ في حياة والدتها وتجربتها في الحياة معادلا لحيوات عشرات الالاف من النساء العربيات اللواتي عانين سابقا وما زلن يعانين لحد الان من وطأة الالغاء والنفي والتهميش والقهر الاجتماعي، لكنهن لايملكن جرأة واقدام والدتها لتغيير اقدارهن وامتلاك المستقبل والمصير, فأرادت ان تلقي عليهن درس والدتها البليغ ,درس البحث عن الحرية والانعتاق بمعناهما الاجتماعي والوجودي.
ارادت حنان الشيخ ابنة الجنوب اللبناني من خلال كتابتها لسيرة والدتها ان تتصالح مع الماضي،ماضيها مع والدتها التي تركتها تعاني اليتم وفقدان الامان والحنان والا لقد عاشت الكاتبة تكره والدتها وتعتبرها المسؤولة الوحيدة عن معاناتها وحرمانها من العناية والعطف دونا عن بقية الاطفال، حتى بلوغها سن الخمسين وامتلاكها ناصية التجربة الحياتية والابداعية حينها بدأت ترهف السمع بطريقة اخرى لقصة حياة والدتها وبدأت تنظر للأحداث والشخوص بمنظارالحكمة والموضوعية بعيدا العاطفة المجردة{لماذا عندما نتقدم في العمر وتموت حيويتنا نتصالح مع الماضي ؟لماذا تصبح حياتنا الجديدة والقديمة كالمنديل المرقع؟}.
لقد شفيت الكاتبة من جروح الماضي من خلال كتابتها لسيرة والدتها,واقتنعت بوجهة نظر امها التي كتبتها في رسالة لها حيث تسكن في العاصمة البريطانية لندن ,وقد قالت فيها{لا تقسي على ماض تولى,انه كان حلوا لاني تحديت الجلاد،وتحديت القيود في معصمي, واسترجعت حريتي من الجواري المباعة بلا ثمن }.
ان ما يشكل فجوة دلالية مفصلية في الرواية اذا ما قرئت في ضوء ما حققته كتابة السيرة من رؤية نافذة على الآم الماضي وتراكماته النفسية وانعكاسها على الوعي الحاضرهو مقارنة الوعي الذي تناولته الرواية {الوعي الانثوي} بالوعي الاخر{وعي الفحولة},فإذا استطاعت مدونة سيرة{حكايتي شرح يطول} ان تشكل تصالحا مع تاريخ الانوثة وهل تصالح بديهي في النهاية لانه يخدم الايديلوجيا النسوية ؟فماذا عن تاريخ الاخر{ الفحولة}؟ ماذا عن اللقب الذي تحمله الكاتبة{الشيخ}؟. ان المتابع لنتاج الكاتبة منذ بداياته في روايات{حكاية زهرة،ومن ثم في امرأتان على شاطئ البحر،ورواية انها لندن يا عزيزي،يجد ان هاجسها الاكبر في هذه الروايات هو عبء الموروث الشيعي{الثقافي والفكري} وتراكماته لانها نشأت في عائلة ملتزمة دينيا ومذهبيا، فالرجل المسلم المتدين الزاهد في الدنيا وملذاتها والذي يطلق عليه الناس لقب الشيخ لكثرة عبادته وتمسكه بموروثه العقائدي ، الشيخ الذي يصطف اسمه بجانب اسم ابنته الروائية، بقي الموقف منه هو الجزء المفقود في السيرة والجزء المظلل والاشكالي في وعي المؤلفة التي اطلقت الفكر والرأي والقلم لوالدتها {كاملة} للسخرية ونقد وتبيان مساوئ الشيخ ومن وراءه الموروث الديني والمذهبي الذي يعتنقه ويلتزم به .
الموروث الديني والمذهبي لم تقدمه الام {الراوية} الا بوصفه المظلة الكبيرة التي انتهكت بها حريتها وكرامتها الانسانية ،فالطفلة التي تبلغ العاشرة من العمر انزلت من السطوح حيث تلعب مع بقية الاطفال لتجد في انتظارها وكما تصف السيرة {ادخل واجد نفسي امام رجال يعتمرون الطرابيش الحمراء اضافة الى رجل ذي عمامة كالبطيخة ، احاول ان اقول {انت وكيلي} واهرب من الغرفة}. الرجل ذو العمامة لا يتورع عن تزويج طفلة قاصر لا تعرف معنى الزواج وينطقها كرها بكلمة{انت وكيلي}من دون ان تعرف معناها, اما الرجل المتدين فيتزوج اخت زوجته المتوفاة وهو يعلم انها ترفضه و يتصرف معها في ليلة العرس كالتالي{يقترب مني زوج شقيقتي,فأكمش فستاني،واغمض عيني،واعض زندي،اشعر بألم فظيع عند حلقي وبين فخذي معا}.هذا هو توصيف الساردة الام ومن ورائها ملقنتها المؤلفة التي مامن شك انها قد تبنت وجهة نظرالساردة ,فكيف يمكن للذي يحب الله بشكل مفعم بالمودة والاجلال والخضوع يجهل كيف يحب امرأة او ان يتصرف معها بشكل لائق ولو بشكل يسير؟!.
الاب المتدين يفرض على زوجته ان يكون اسم مولدتهما الاولى فاطمة تيمنا باسم السيدة فاطمة الزهراء{لم اتوقف كيف تكونت فاطمة في بطني مع اني عضضت زندي حتى كادت العضة تصل الى العظم}.هذه صورة التدين في الجنوب اللبناني في بداية ومنتصف القرن العشرين,صورة موشحة بالعنف والقسوة وبلادة الاحساس وكراهية البهجة.
الشيخ بخيل يرفض شراء فساتين العيد لنساء العائلة ويبرر فعلته بقول مأثور{كل يوم لا يعصى فيه الله هو عيد}،الشيخ كان سببا في عدم التحاق كاملة بالمدرسة وبقيت تجهل القراءة والكتابة طوال حياتها بالرغم من توسلاتها وبكائها{حتى الحمام بروح عالمدرسة هون، وحياة الله وحياة النبي وحياة الامام علي}.الشيء الايجابي الوحيد الذي ذكر لصالح الشيخ في الرواية هو مسامحته لزوجته وهما يجلسان امام رجل الدين لتوقيع وثيقة الطلاق{اطلب السماح من زوجي ونحن جالسان امام الشيخ في المحكمة الشرعية سامحني.فيجيب وهو يبكي المسامح هو الله,يطلب السماح مني بدوره, سامحيني فأجبته وانا ابكي.. سامحتك}.
وعلى طول صفحات السيرة البالغة تظل الساردة تومئ في اسطر معدودة للموروث الديني ايماء خاطفا ولافتا ايضا،فهي تذكر ان الموروث الديني للجنوب اللبناني موروث مرتبط بالحزن والالم والدم والظلم،فالامام الحسن مات مسموما،والحسين قتل مظلموما وقطعت رأسه،والسيدة زينب انشغلت بالحزن والبكاء بعد مقتل الحسين.
تذكر في الرواية بعض تجارب بعض النساء اللبنانيات اللواتي ينحدرن من اسر جنوبية معروفة بالتزامها الديني والمذهبي وتعرض لمحاولاتهن لكسر طوق التزمت الديني الخانق ،وقد ذكرت بالاسم من بينهن المطربة اللبنانية المعروفة والمعتزلة حاليا{نجاح سلام}.تأتي على ذكر بعض الاحكام الشرعية التي فيها اهانة وابتذال للمرأة ومنه حكم {التجحيش}{عاشق العود قد تزوج زوجة اخرى بعد ان طلب اليه صديقه ان يجحش مطلقته،حسب الشرع،حتى يتمكن من الزواج بها للمرة الثالثة,لكن شقيقي عاشق العود يعشقها،ويتزوجها غير مبال بغضب صديقه}.
لقد فازت حنان الشيخ بعدة جوائز عن رواياتها الاخيرة والتي صدرت 2005 واحتفت المنتديات الادبية والثقافية في لندن وبيروت وعدة عواصم عربية ,وقد منحت الكاتبة والدتها اجمل هدية وتكريم من خلال صهرها لوجدها وذات امها في بوتقة سيرية واحدة متنها الماضي وتراكماته وهامشها وغلافها وعنوانه الحاضر بعقده وازماته,هذا التكريم للأم يتأكد في قولها وهي تخاطب والدتها{لو علموك كنت انت الكاتبة مش انا}،فالبنت جذوة من نار والدتها وخفقة من طينها، لافرق بين الكيانين سوى ان امهاتنا لم يمنحن فرصة الثقافة والاختيار ونحن نمثل الوجة المثقف و المتعلم لذوات امهاتنا. ان الرواية على اهميتها{ابداعا وموضوعا}قد تجنبت الخضوع في السؤال الصعب والاهم ،وهو كيفية اعادة تقييم تاريخ الاخر{الابوي الفحولي} ،خاصة وان تجربة الروائية هي تجربة في الكتابة النسوية والدفاع عن حقوق المرأة في جميع نتاجها ،فكأنها في {حكايتي شرح يطول} لم تضف الى الوعي النسوي وعيا جديدا وبقيت تدور في ذات الفلك والمدار في رواياته السابقة .









