ثقافية

قراءة في قصة (استحمار) للكاتبة السورية الهدى الصيني

ميادة سليمان- سورية

 

استحمار

صعدت الحرباء المسرح، استعرضت ألوانها تحت عين الشمس، دغدغت سواد قلوبهم؛ دوّى التصفيق. 

1 – نبدأ من العنوان: استِحمار على وزن (استِفعال) وهو أن يسعى أحدٌ لجعلِ إنسانٍ حمارًا، وهو ليس عاميًّا كما قد يبدو، ولكنّه عنوان شعبيّ، بمعنى أنّه قريبٌ من لغة العامّة. ومصطلح (الاستحمار) أطلقه المفكّر الإيراني د. علي شريعتي في كتابه (النّباهة والاستحمار). حيث يُعرّفهُ بـ: “تزييفِ ذهنِ الإنسانِ، ونباهتهِ، وحَرْفِ مسارِهِ عنِ النّباهةِ الإنسانيّةِ، والاجتماعيّةِ”.

والاستحمار موجودٌ في حياتنا بأشكاله كافة:

– ففي الحياة الاجتماعيّة تستحمر الحكومةُ المواطنَ.. حين تزيد الراتب ثمّ ترفع الأسعار.

– وفي الحياة السّياسيّة تستحمر الحكومةُ الشّعبَ.. حين تعلن عن انتخاباتٍ نزيهة ثمّ يتمّ التّزوير.

– وفي الحياة الاقتصاديّة تستحمر المؤسّسات الشّباب.. حين تعلن عن وظائف، يتقدّم الآلاف، ثمّ يتعيّن ذوو الواسطات (المدعومون).

2 – (صعدت الحرباء المسرح)

الصعود مرتبط بعلوّ المنزلة والشّأن، ولهذا استهلّ الكاتب الققج* بـ (صعدت). أمّا الحرباء chameleon فإذا ماعرفنا أنّها تدور تحت الشّمس كيفما دارت، وأنّها موجودةٌ في أنحاء العالم كافّة، وتستطيع افتراس أيّ شيءٍ يمكن أن يدخل فمها، وتغيّر لونها حسب الظّروف المحيطة بها، فإنّ هذا يجعلنا نسقط كلّ تلك الصّفات على أرباب السّلطة المنتشرين في العالم كلّه، والمتلوّنين حسب ماتقتضيه مصالحهم، وأطماعهم، والمفترسين لكلّ من يقع ضحيّة مخالفتهم، أو كشف زيفهم، ونفاقهم، هاهم يغيّرون ألوانهم بتغيّر الحالة، والظّرف، والمكان، والتّاريخ. يقول ذو الرّمّة:

يَظَلُّ بها الحرباءُ للشّمس ماثلًا

إذا حَوَّلَ الظِّلَّ العَشِيُّ رأيْتَهُ

حَنِيْفًا وفي قَرْنِ الضُّحَى يَتَنَصَّرُ

ذاك الشّخص عابدٌ في البيت الٱوّل، ماثلٌ، منتصِبٌ قُبَالةَ الشمس كأنَّه في صلاةٍ إلا أنَّه لا يُكَبِّرُ ولا يُهَلِّلُ كفعل المصلّي، وهو في هذه العبادة مرَّةً على دين الإسلام حنيفًا، مُستقبلًا القبلة التي يتوجَّهُ صوبَها المسلمون في صلاتهم، ومرَّة نصرانيًا.

أمّا صعودها المسرح: فهو تشبيهٌ رائعٌ، ظريفٌ، لاذِعٌ.. فالمسرح في الأزمنة القديمة كان مُقدَّسًا، وهذا حال المنصب، أو صاحبه، أو السّلطة الحاكمة في زمننا الحاضر. كما أنّه في تلك العصور كان كلّ فردٍ ممثّلًا، لافرق بين الفرد أو القبيلة، أمّا في وقتنا الرّاهن، فالمواطن/ الشّعب/ الطّبقة المقموعة هي (الجمهور) والحاكم/ السّلطة/ النّخبة هي (الممثّل).

3 – (استعرضت ألوانها تحت عين الشّمس)

برأيي كان بإمكان الكاتب اختزالها إلى: (تلوّنت تحت الشّمس) فمن البدهيّ أنّ الحرباء تغيّر عدّة ألوان، فلم يكن هناك داعٍ لقوله: استعرضت ألوانها، وكذلك جاءت (عين الشّمس) زائدة. أمّا عن المغزى فهو واقعيّ، عميق الدّلالة، فالمتسلّطون، وأصحاب النّفوذ يتلوّنون حسب مصالحهم، ومقتضيات ظروفهم، وماتفرضه أطماعهم، وليس هذا ببعيدٍ عن واقعنا العربيّ السّياسيّ الأليم فالدّول الاستعماريّة تندّد، أو تؤيّد حسب مايخدم مصالحها، وأهدافها، وتطلّعاتها.

 4 – ( دغدغت سواد قلوبهم)

أراها تحتمل معنيين، فربّما أنّ هذه الحرباء المتلوّنة تغري ذوي النّفوس الضّعيفة وتستميلهم إلى جانبها ليكونوا أذرعًا لها يبطشون إذا بطشت، ويسالمون إذا سالَمَتْ. أو أنّها بمعنى أنّ كلّ ماتفعله تلك الحرباء/ السّلطة، يتمّ على مرأىً من الشّعوب الخانعة الّتي اسودّت أيّامها فعميَت قلوبُها، فلم تعد تميّز بين نور الحقيقة، وبين وهج النّار الّتي تصطلي بها يوميًّا. ولاشكّ أنّها مستمرّة في خداعهم ولكنّهم مُستَلَبون، لاحول لهم، ولاقوّة، وهنا إزاء كلّ مايحدث من مآسٍ، وويلاتٍ، ومظالم يستمرّ التّصفيق للظّالم، والتّهليل للطّاغية، والمداهنة للقويّ هكذا ختم الكاتب قصّته:

5 – (دوّى التّصفيق) هي المهزلة الّتي نعيشها يوميًّا:

شعب محكوم، حكم مُستبِدّ  

يعِدوننا، ننتخبُهم، يخدعونَنا، ونستمرّ بالتّصفيق

وتتكرّر المسرحيّة بمسميّاتٍ مختلفةٍ لكنّ 

الخدعة واحدة، والزّيف ذاتُه في كلّ مرّة.

دوي التّصفيق: هي الخاتمة السّاخرة المريرة الّتي لامست وجدان كلٍّ منّا ولاشكّ قال لاشعوريًّا:

نعم، هذا مايحدث!

6 – ختامًا: 

العنوان غير مطروق، جاء كصفعة على الذّاكرة تؤلمك لتقرأ، فتجد نفسك أمام نصٍّ تهكّميّ. ورغم أنّ النّصّ أتى بالمألوف، لكن في قالبٍ مسرحيٍّ هزليٍّ ساخرٍ، بدءاً من العنوان كما ذكرت، وانتهاءً بالقفلة المتهكّمة اللاذعة، النّاقمة ضمنيًّا، المعبّرة عن واقع الشّعب العربيّ المُستكين.

_________________

* الققج: القصة القصيرة جدا

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان