عقيل علي الذهبي
يتجلى الخطاب السردي في رواية (حدود الحلم) عبر معطيات ومرتكزات عدة في البنية الفنية للنص، وقد ظهرت بصورة متماسكة ومتصلة بأحداث ومتغيرات كبيرة ساعدت على توسعتها حياة بطل الرواية (عبد الجبار)، الرجل القروي البسيط الذي يعيش في صراعات نفسية عدّة، ولعل أهمها صراعه مع الحياة الذي جعله يلتجئ إلى الموت ، فخلفت له قساوة ، كانت اشدها خيانة حبيبته (سعاد) ، فدعته تلك القساوة إلى طلب الموت حتى لو كان بـ(الرشوة) ، ومنذ الوهلة الأولى وهو على الساتر الأمامي في جبهة القتال وسط قصف الهاونات وأصوات الرصاص في منطقة العمارة (ص5)، كان يكرر طلب الموت حين يعترف في دائرة المخابرات على جريمة قتل (اللواء فريد) التي لم يرتكبها، لينجو من التعذيب وسياط الجلادين ، وبعد ذلك يتحقق الموت في كل أركان حياته المجنونة، حيث فتح اليأس له بابا للحياة اشبه بالحلم الذي لا حدود لأعطائه ومع انه كرم بنوط شجاعة نتيجة توجهه الى الساتر الامامي طلبا للموت!!! وكرم ثانية بخروجه من الاعدام ليحيى عشقاً جديداً حين دخل قلب (ثريا) الفتاة البغدادية الجميلة (مالكة البستان( وكذلك بعد هروبه من (رفيق المنطقة الحزبي) ليصبح مديراً لأموال (الحاج عبد الرزاق) واحد من أثرياء بغداد ليعيش حياة الريف التي احبها وسط البستان في بغداد.
وظف الكاتب (ناظم جليل )السارد العليم الذي اخذ على عاتقه نسج خيوط الرواية بإدارة مميزة للحدث الروائي من ناحية الزمان والمكان للحكاية بشخصية البطل.
الرواية يمكن ادراجها ضمن روايات الحرب او سنوات المحنة العراقية التي امتدت من بداية عقد الثمانينات في القرن المنصرم، بحرب قاسية اعقبها حصار مميت ومن ثم فوضى مدمرة بعد تغيير نظام الحكم، فالرواية تمر بأحداثها وصراعاتها بكل هذه السنوات المريرة ومعها البطل.
بالرغم من ان ثيمة الحرب والحصار مطروحة من قبل كثير من الكتاب العراقيين امثال ” علي عباس خفيف في رواية (عندما خرجت من الحلم ) والروائي برهان الشاوي في رواية( مشرحة بغداد) وخضير فليح الزبيدي في رواية (شرنقة الجسد) واخرين. لكن (ناظم جليل الموسوي ) وظف شاعريته و احساسه الممتلئ بالصور الشعرية بلغة سردية في مجملها متميزة و رصينة وتواجد ذلك في اغلب فصول الرواية حيث اتسم المتن النصي للرواية بالشعرية او القطع النثرية وكذلك الومضة كما في( ص 9) حين بقول” يغرق في إيابها المرتقب و يتوجس شوقا لفرارها منه في هذا الليل البهيم ‘ يمد ارجل المسافات كي يطاردها ;يقفز دون ارادة… والماء يغمره حتى شعر بالليل “بعدما افلتت منه حوريته ” وهنا يغلب على الكاتب حدسه الشعري في بناء أحداث الحكاية على لغته السردية كونه شاعرا، يتقن مزج المفردات الشعرية بعذوبة وجمالية صور الريف مثل البستان شجرة التوت وخبز التنور الحار والسمك المسقوف والنهر.
في المكان الروائي والذي يمكن تقسيمه الى قسمين مهمين نجد بطل الحكاية في مكان أحبه البطل كونه شهد حبه الاول (سعاد) وهو قرية ام طبن في الديوانية (ص15) والبستان في بغداد الذي شهد حب (ثريا) له (ص 75) .
النقيض ايضاً كان متواجداً، فحين يأتيه طالبا نهاية لمأساته سيكون قبالة البداية للحظ السعيد ومثال ذلك .. الساتر الذي يعني الموت، حوله من جندي مكلف الى ضابط مسؤول في وزارة الدفاع ! وفي الشورجة في بغداد من عامل بسيط(حمال) يحمل الاغراض التجار الى مدير مزرعة تدر عليه الاموال ! ويمتلك قلب ثريا بنت الحاج عبد الرزاق.
قدم الكاتب شخصيات عدة في الرواية عبر شخصية محورية و مركزية في الرواية هو بطل الرواية (عبد الجبار) الذي يدير الحدث والحوار مع بقية الشخصيات الاخرى والتي لم يعطها الكاتب بعدا كبيرا في النص الدرامي مثل شخصية “الملازم صادق” (ص16 ) الذي يتأثر به البطل ويتعلم منه حب الامل (ص29) وشخصية ثريا السيدة البغدادية الجميلة مالكة البستان والتي تنافس قلبه مع خيبة حبة العذري (سعاد) ليحكم عقلة بزواج ثريا (ص130) و شخصيات اخرى ادار السارد حركتها الدرامية وأناط لها أدواراً اشبه بالثانوية ترافق البطل بقدر تعلق وظيفتها الدرامية بوجودها في المكان الروائي او تنقلها في زمن الحكاية الذي امتد الى عقدين مهمين بتاريخ البلاد، من الثمانينيات الى التسعينيات والى التغيير بعد 2003 .لتكن احلام عبد الجبار حقيقة بلا حدود اي أحال (ناظم جليل الموسوي ) احلام البطل الى حقيقة يتنفس منها السعد .









