ثقافية

وداع الحنظل

 صلاح حسن السيلاوي 

 

يا له من وداعٍ  

سيتذكَرُهُ الحنظلُ كثيراً ،

وداعيَ للمدينةِ المكسورةِ مثلَ غزالةٍ في عيونِ أهلها. 

وداعيَ لشمسها الخجلى من الغرباءِ   

لغروبها الذابلِ على وجوهِ الانهارِ 

بتجاعيد موجها 

وشيخوخةِ سعفها .

وداعيَ لبيوتِها اللذيذةِ حتى كأنَّها مبنيةٌ من الخبزِ،    

ولهذا كلّما أمطرتْها السماءُ تعفّنتْ ضمائرُ ساستِها، 

وإن هبَّ عليها صيفٌ  صارتْ هشيماً لريحِ الدسائس .  

هذا ما تبصمُهُ عيونُ الشاعرِ على جواز السفر .

يا إلهي ،

ماذا يفعل هذا المسلّحُ عندَ بابك ،

يقولون هذا بيتُكَ ، 

ولكنَّ أصابعَهُم تشيرُ إلى مقاتلِ إخوتي .

أنا أحبك كثيراً 

كانت أمي تضعُ في فمي،

 كلَّ ليلةٍ سرباً من نجومِ رحمَتِكْ ،

وكنت أصلِّي مع النهرِ ،

أفتحُ منه ساقيةً للقلبِ في كلِّ سجدة. 

وكنت أصلّي مع الجدارِ يرفرفُ في دميْ طابوقُهُ . 

وطالما تلفْلفْتُ مثلَ البيوتِ الفقيرةِ عندَ الشتاءِ لأنكَ فيها.

كانتْ المدرسةُ قريبةً من الجامعِ 

وكنتُ دوماً أرى المنارةَ قلماً 

لماذا صارَ الجميعُ يراها سيفاً ؟.  

يا الله ،

 اسمك على المنارةِ 

ملطخٌ بالوحشةِ 

المنارةُ القريبةُ من دموعِ أميْ

غدتْ مشجباً للضغائنِ الآنْ .  

ها أنا أتأمّلُها  كمن يودعُ أمّاً قاسيةً . 

إنَّني لأتْقِنُ الوداعَ 

فها أنا أجرْجِرُ حواسيَّ،

من براعمِ الحدائقِ المهجورةِ ، 

من خطواتِ العابرينَ على أثرِ المفخخاتِ في الشوارعِ 

من آثارِ الدمِ في صورِ الذاكرةِ ،

من شهقاتِ المغدورينَ في آذانِ الجدرانِ الساكتةْ . 

من برودةِ أصابعِ الشرطيِّ ، 

من اختناقِ الطفلِ بأيادي الخاطفينْ . 

من مشارفِ المدينةِ وهيَ تُذكِّرُ أهلَها بالراحلين . 

من أعماقها وهي تذكرُهم ،

بوساوسِ الفتنةِ وأسمائِها وملامحِ وجوهها . 

إني لأجرجرُ حواسيَّ حتى 

من ارتعاشةِ ستائر شبّاكِ عاشقٍ ،

يا له من وداع سيتذكره الحنظل كثيرا .

 

ما بالُ هذه الأبنية مزدحمة بالمصلين ، 

بينما هي خاليةٌ من الله . 

هذه الشوارعُ 

ثمة علاماتٌ كثيرةٌ على موتها وحياتها :

الخوفُ من الهواءِ 

لأنَّ أفواهَ الشوارعِ مليئةٌ بأنفاسِ المغدورينَ ، 

الخوفُ من اللغةِ  

لأنَّ الأسماءَ خناجرُ العقائدِ والأديانِ ، 

النظرُ بريبةٍ لما يطفو بدجلةَ . 

أهكذا تتبغددُ المرارةُ 

في أزقةِ المدينةِ ،

حتى كأنَّ قلوبَ النساءِ فناجينُ قهوةٍ ،

وعيونَهُنَّ مغمضةٌ عن الحبِّ ،

مثلَ دروبٍ مظلمةٍ في الحربِ .

لماذا تنكسرُ المدينةُ هكذا دائماً 

لماذا تغيبُ روحُ الحمائم عن وجوهِ المارةِ ؟

وتتهامسُ أرواحُ العشاقِ في أجوافِ الناياتِ ؟ 

 لماذا تطردُ المدينةُ أبناءَها ؟

ثم توقظُ قلوبَهم بناياتِ رثائِها ؟

يا له من وداعً سيتذكرُهُ الحنظلُ كثيراً .   

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان