حاورتها: سعاد حسين العبودي
• كيف اهتدت ليلى المرّاني للأدب؟
– سؤال في منتهى الروعة، يلامس ذكريات بعيدة عزيزة على قلبي. الأدب بالنسبة لي كان حليباً رضعته من ثدي أمي، كانت – رحمها الله – رغم انها لا تفكّ الحرف كما يقال، تحفظ عن ظهر قلب قصص ألف ليلة وليلة وأبو زيد الهلالي والزير سالم مع الأشعار، وكانت ترتجل الزجل والشعر الشعبي، والذي نسميه باللهجة الدارجة( الگولات )، عشت في عالم شهرزاد وحكاياتها؛ فتشرّبت بحب القصة، ثم ومع تقدّمي في العمر، كان للبيئة التي عشت فيها تأثير كبير، فجلّ أفراد أسرتي وأقاربي شعراء وأدباء وأصحاب قلم، وهذا ما حبّبني بالأدب، ومنذ صغري قرأت روايات ليست بعمري، مثل روايات مكسيم غوركي وتشيخوف وجون شتاينبك وهمنغواي ونجيب محفوظ والمنفلوطي وغيرهم.
• هل تكتب القاصة ليلى المراني الأجناس الأدبية الأخرى كالشعر والرواية؟
– رغم حبّي الكبير للشعر، إلاّ إنني لا أكتبه، كانت لي محاولات بسيطة حين كنت في الإعدادية، ولكنني لم أكمل المشوار حين نصحني أخي أن أدرس أوزان الشعر وتفعيلاته، وأقرأ دواوين شعراء مشهورين. كان ميلي للقصة القصيرة أكبر؛ فاتجهت إليها. أما الرواية فهي مشروع مؤجل، رغم أن بعض النقاد نصحوني أن أكتب الرواية، إذ وجدوا أن لديّ القدرة والأسلوب الذي يساعد على كتابة رواية ناجحة.
– يصف الأديب والعالم الفيزيائي الدكتور أحمد زكي القصة بقوله “ليس ألذ في أحاديث الناس من قصةٍ… والعقول قد تخمد من تعبٍ… حتى إذا قلت قصة ذهب النوم، واستيقظت العقول…”، فكيف تصف لنا المرّاني القصة؟
– أشاطره الرأي، فالقصة تأخذك إلى عالمٍ ممتع حتى لو كانت مؤلمة أو حزينة؛ فالقاص الناجح هو من يدخلكِ في عالمه ويتركك تعيشين فيه، وهذا ما كان يحدث معي حين كانت أمي تقص علي حكاياتها وتحببها أكثر إلى نفسي حين تردد أبيات الشعر بصوتها الرخيم، وحين يغالبها النعاس ويبدأ صوتها يتلاشى، ألكزها وأتوسل بها أن تقص عليّ المزيد.
الآن، وحين أذهب إلى فراشي بعد يوم طويل متعب، محاولةً التصالح مع الأرق، تطرأ فجأةً في رأسي فكرة لقصةٍ جديدة، أحاول أن أتخلص منها، دون جدوى؛ فأضيء النور ثانيةً وأبدأ كتابة هيكلها. أصبحت القصة بالنسبة لي توأما يلازمني، بل علاجا لمشاعر نفسية متضاربة، لا غنىً لي عنه.
•كيف ترين واقع الثقافة العراقية في ظل شيوع المحسوبية والمجاملات على حساب الثقافة نفسها؟
– لا أستطيع أن أعطي رأياً جازماً في ذلك، فأنا بعيدة عن واقع الثقافة العراقية آنياً بحكم هجرتي من العراق منذ عقدين من الزمن، ولكن تصلني من هنا وهناك أخبار مؤلمة عمّا آل إليه الحال؛ وبصورة عامة أستطيع القول، إنه اغتيال بشع للثقافة حين تخضع للمحسوبية والمجاملات؛ فتختفي وراء التجاهل مواهب حقيقية، أقلام قد تعيد للثقافة العراقية وجهها المضيء، بينما تطفو على السطح فقاعات لا تلبث أن تتلاشى.
• يرى الكثيرون ثمة تنافر بين المؤسسة الثقافية والمثقف الحقيقي، إذ يعتمد الأخير على جهوده الفردية في العبور من المحلية إلى العربية، كيف تقيّمين ذلك؟
– وهذا ما يحتاج إلى تفسير منطقي، فالمفترض بالمؤسسة الثقافية أن تكون حاضنة للمثقف الحقيقي، وأن تأخذ على عاتقها انتشاره محليّاً وعربيّاً، وحتى عالميّاً من خلال ترجمة أعماله، وهذا ما نجده في الدول المتقدّمة علمياً وثقافيّاً؛ أمّا أن يترك المثقف وحيداً يصارع بمجهوده الشخصي في سبيل الإنتشار، فهذا تقصير تحاسب عليه المؤسسة الثقافية، خاصةً وهناك من الأدباء والشعراء من لا يملك القدرة المادية لتحمّل تكاليف طبع ونشر نتاجاتهم. المؤسسة الثقافية عليها أن تقوم بدورها المنوط بها بإخلاص ووعي..
• في الساحة الادبية العربية، ولا سيما العراقية، يتم تسليط الضوء على أسماء ما زالت لا تفرق بين ( لَمْ) الجازمة و ( لمَ ) الاستفهامية، بينما المبدع الحقيقي باقٍ في الظل، كيف تصفين ذلك؟
– أجد أن هذا السؤال يرتبط إلى حدّ كبير مع سؤال سبقه عن المحسوبية والمجاملات، بل أنه مكمِّل له.
عزيزتي، هناك مثل عراقي يقول:( الشگنّگ گام، والفرشي نام ! )، ولست أدري إن كان عليٰ توضيح مفردتين بالمثل؛ ( الشگنّگ ) هو قطع الحجارة الصغيرة التي يخلفها تقطيع ( الفرشي )، والفرشي هو قطع الطابوق المربعة والتي كانت تستعمل في فرش أرضية البيوت العراقية القديمة!
رابط الكلام هنا، تقرئين لشعراء أو أدباء أسماؤهم لمعت ويصرون على كتابة ( الشاعر، الأديب ) قبل اسمه، تجدين كمّاً من الأخطاء النحوية والاملائية لدرجةٍ مضحكة، كأن يكتب ( انتي، لكي، منكي …)، وكل ما يتعلق بضمير المؤنث المخاطب بالياء، وأيضاً الأفعال الماضية المؤنثة، ( ذهبتي، كتبتي، قرأتي…)، وأخطاء أخرى ما أنزّل الله بها من سلطان، ويشار لهؤلاء بالبنان ويحتلون الساحة الأدبية، بينما هناك أدباء وشعراء يمتلكون أقلاما ذهبيّة، لكنهم لم يجدوا من يأخذ بأيديهم.
• ما صدى مجموعتك القصصية الأولى ( وشمٌ في ذاكرتي ) في الساحة الأدبية؟
– مجموعتي القصصية ( وشمٌ في ذاكرتي )، وجدت صدىً طيباً لدى بعض النقاد الأدباء، وقد كتبوا عنها مقالاتٍ مستفيضة، مثل د. خالد بوزيان الموسادي من المغرب، والاستاذة الشاعرة العراقية المتألقة سعاد العتابي، والشاعر الناقد العراقي المعروف الأستاذ حامد عبدالحسين حمادي، والناقدة التونسية الأستاذة سامية البحري وغيرهم؛ وقد دخلت مجموعتي القصصية في مسابقة ( الملتقى ) للقصة القصيرة العربية، وصعدت ضمن الأسماء المرشحة للمنافسة.
كان جلّ اهتمامي أن تصل إلى يد المتلقي العراقي، فأنا كتبتها له بالدرجة الاولى، ولكن للأسف الشديد بقيت بعيدة عن متناوله بسبب الشحن من مصر إلى العراق.
• كلمة أخيرة؟
– ابعث عن طريقكِ أصدق مشاعري ومحبتي لكل مواطن عراقي شريف، متمنيّةً أن تعود البسمة إلى وجوهٍ أنهكها تعب الحياة.
كل أمنيتي أن يعود الوطن معافى، وأن يتصدر العراق ثانيةً موضع الصدارة في الأدب والشعر كما كان، وأن يعود للكلمة الصادقة رونقها وبهاؤها، وأن تجد الأقلام الشابة الواعدة والملتزمة من يحتضنها ويقودها إلى الطريق الصحيح، وهذا يقع بالدرجة الاولى على عاتق المؤسسة الثقافية في العراق.









