ثقافية

الشفاهية والكتابية في السرد العراقي المعاصر

د :عالية خليل إبراهيم

          

ليس ذلك فحسب، فأهمية الدراسات الشفاهية متأتية من هيمنتها على وسائل التواصل  فالمجتمعات الحديثة لم تتخلى عن النسق الشفاهي في التفكير والممارسة الكلامية وأن تصدرت الكتابية واجهة التفكير الإنساني ردحا من الزمان بعد عصر الشفاهية الأولى، فقد قال ” أونج” في العام 1982″ ما العصر الإلكتروني إلا عصر شفاهية ثانوية، التليفون والإذاعة والتلفاز وهي شفاهية تعتمد في وجودها على الكتابة والطباعة”، فإذا كان عصر وسائط الاتصال التقليدية في القرن العشرين أطلق عليه “شفاهية ثانية” فإن عصرنا الحاضر عصر ثقافة الوسائط ووسائل التواصل الاجتماعي والتي فرضت نمطا جديدا من التفكير والكتابة يتناسب مع ثورات العالم الافتراضي من الممكن وصف هذا النمط الجديد بعصر ” شفاهية ثالثة” ،إن التقاليد الشفاهية الجديدة والتي فرضها عالم أخذ يتخلى شيئا فشيئا عن الطباعة والورق ويستبدلها بالحواسيب والأجهزة اللوحية وما أفرزته هذه الموجة من انحسار ثقافة النخبة الكتابية لصالح شفاهية تستخدم الكتابة لإثبات الحجة وتحقيق التواصل، الشفاهية الثالثة تحتاج إلى مزيد من البحوث النظرية والتطبيقية لاستكشاف حقيقة وبنية هذا النمط الجديد من التفكير والكتابة.

نشأة الدراسات الشفاهية:

   إن حضور الشفاهية في الأفق المعرفي المقنن بدأ حديثا، وقد كانت أطروحة “ميلمان باري” النعت التقليدي عند هوميروس” 1928 بمثابة الوثيقة المؤسسة لدراسة التأليف الشفاهي ممثلا بالملاحم الهوميرية( )،من أهم الأفكار التي طرحها باري والتي ظلت مرجعا مهما لدراسة شفاهية الشعر” الشعر الشفاهي يكون إيقاعيا لأن الإيقاع يساعد على التذكر من الناحية الفسيولوجية، تعتمد الأقوال في الثقافات الشفاهية على الصيغ” الكليشيهات والأمثال” وهذه لا تعد مجرد زينة مضافة إلى الشعر بل تشكل هي نفسها القانون”.، ويتميز الشعر الشفاهي بالأسلوب الإطنابي الغزير والمبالغات البلاغية الكلاسيكية.

 “إرك هافلوك” وهو من أبرز المنظرين في هذا المجال له كتاب” مقدمة إلى أفلاطون” حدد فيه العام 1962 بداية للتوجهات الفكرية التي اتخذت من الشفاهية ميدانا لها واضعا في الصدارة ثلاثة كتب رئيسية هي” مجرة غوتنبرغ” الذي الفه ماكلوهن، وكتاب “الفكر المتوحش” لليفي شتراوس، “نتائج الكتابية” لجاك جودي  بينما يعد دراسة باري ارهاصا تطبيقيا وليس تحقيقا اصطلاحيا للدراسات الشفاهية. أما ” ديكرو وتودوروف” في معجمها لعلوم اللسان فيرجعان بداية التأليف في الشفاهية إلى الحركة الرومانسية في القرن التاسع عشر فقد اهتمت بالآداب الشعبية في أوربا ودعت لضرورة تدوينها خشية من النسيان والضياع، وقد طرحا مسألة الاختلاف بين ما هو شعبي شفاهي وآخر مكتوب وبين ما هو شفاهي شعبي واخر عالمي، فالشفاهية كما يقولان: ” نشاطات عالمة وشعبية على حد سواء، وحاضرة كما هي ماض، ونشاط يضطلع فيه الابداع الفردي بدور لا غنى عنه حتى لو كان ذلك تبعا لوجه غير ما هو موجود في الأدب المكتوب”  ،فالأشكال الشفاهية أنواع مميزة قد تكون نخبوية مثلما تكون شعبية.

ظهرت في الاداب الشفاهية ثلاثة توجهات مهمة في الدراسة، أولا الدراسات الفلكلورية كلمة فلكلور والتي تعني أصلا الفنون التمثيلية والدرامية الشعبيتين إضافة إلى الانتاج الشفاهي مثل الحكايات الشعبية والخرافية، الشعر الشعبي الأمثال والألغاز.  تميزت الدراسات الفلكلورية العراقية منذ دخول المطبعة للعراق وبداية نشوء الصحافة، فقد عرف من الباحثين المهتمين بالدراسات الفلكلورية الأب أنستانس الكرملي، وملا عبود الكرخي وعلي الوردي  في أغلب مؤلفاته عن طبيعة المجتمع العراقي، وباسم عبد الحميد حمودي وعبد الجبار الجوبيراوي وغيرهم. ثانيا: الدراسات الشفاهية ،ثالثا: الدراسات الأنثروبولوجية ساهمت توجهات الأنثروبولوجيا الثقافية في وضع اليات التداخل بين الثقافة مفهوما ونصا وبين المجتمعات الإنسانية بصورة أوثق وأعمق، تعني الانثروبولوجيا الثقافية” العلم الذي يدرس الانسان في بعده الثقافي في جغرافية محددة  من خلال دراسة كافة أشكال التفكير والتصور والتمثلات التي تحملها الشعوب تجاه العالم الطبيعي والعالم الرمزي (انثروبولوجيا الأدب،عواد إبلال,)41.

  الشفاهية والسرد:

    أجاز العديد من الباحثين والنقاد الشكلانيين والبنيويين، والذين اهتموا بالسرد منهم خاصة مصطلح الآداب الشفاهية وذلك بالعودة الى ميراث الشعرية المنفتح على مختلف استعمالات اللغة، يقول “جيرار جنيت:” اعتبر كل نص يثير فيّ ارتباطا جماليا نصا أدبيا”.( )،ويطلق على الآداب الشفاهية مصطلح (قول) بمقابل (التخييل) الذي يميز الاداب الكتابية، فالواقعة الأدبية بحسب رأيه واقعة متعددة لذلك تتطلب نظرية متعددة لدراستها. من أهم ما يميز السرديات الشفاهية الاهتمام الكبير بالقصص لأنها تستطيع أن تدمج مادة هائلة من التراث قابلة للديمومة والتكرار ولا تكمن أصالة السرد الشفاهي في تأليف قصص جديدة بل في القدرة على التفاعل مع جمهور بعينه في وقت بعينه مع بقاء الصيغ ذاتها والموضوعات يعاد تعديلها والإضافة عليها بدلا من إزاحته واحلال مواد جديدة محلها وكما أسست لذلك السرديات الكتابية المميزة ومنها فن الرواية.

  لقد أسهمت توجهات دراسة السرد بوصفه جزءا من نظرية المعرفة” الأبستمولوجيا” إلى تداخل اجناسي بين الدراسات الثقافية ومنها الفلكلورية والأنثروبولوجية والسوسيولوجية وبين المتخيل القصصي أنتج نوعا جديدا من التأليف في الأفق الثقافي العراقي يوثق الثقافة الشفاهية” الممارسات والملفوظات” ويحفظها من الاندثار من جهة ويستثمر المتخيل القصصي في دراسة المجتمعات في ضوء الأنثروبولوجيا الثقافية من جهة أخرى، في ذلك تندرج وعلى سبيل المثال كتابات محمد غازي الأخرس، وخضير فليح الزيدي.

 هنالك روايات متخيلة تستوحي العادات والطقوس والموروثات الشعبية مثل الايمان بالسحر والرقى وعوالم الجان والغيبيات وهو ما أطلق عليه شتراوس” التفكير المتوحش أو الفكر الأمي ،وللروائي “علي خيون” رواية مهمة عنوانها” بلقيس والهدهد” تدور أحداثها عن عوالم السحر والجان  العراق، رواية “مستعمرة المياه” لجاسم عاصي استوحت أسطورة حفيظ في اهوار الجنوب

  هنالك روايات الخطاب المتخيل الأدبي وتعد أدبا كتابيا لإنها تتضمن خطابا مستقلا عن السياق الذي أنتجه وهو خطاب لا يمكن مساءلته أو معارضته على نحو ما يحدث في الخطاب الشفاهي، هذه الروايات تتضمن تقنية الميتا سرد والتي من ضمن شروحاتها الكثيرة” وعي ذاتي مقصود بالكتابة القصصية أو الروائية يتمثل أحيانا في الاشتغال على إنجاز عمل كتابي أو بحث عن مخطوطة” . هذه التقنية ممثلة بكتابات عبد الخالق الركابي في ثلاثية الراووق ،قبل أن يحلق الباشق، وسابع أيام الخلق، وفي الاونة الأخيرة ظهر نوع من الروايات التفاعلية تستنطق متغيرات العالم الرقمي وعلاقته بالواقع وتلاحق إثر تكنولوجيا وسائل الاتصال على حياة الناس الاجتماعية والنفسية  وما أفرزته من متغيرات وقيم اجتماعية جديدة وعلى الثقافة والذاكرة واللغة بشكل عام من تلك الروايات” جريمة في الفيس بوك”  للقاص والروائي علاء مشذوب. الثقافة العراقية وإن عرفت الكتابة” التسطير” نمطا فكريا وممارسة عملية في القرن التاسع عشر وما بعده إلا أن الثقافة والتقاليد الشفاهيين ظلت راسخة في التفكير وقد مثل السرد العراقي المتخيل الشعبي والنخبوي الفضاء الأرحب الذي تجلت به الثقافة الشفاهية ومارست فيه حضورها البارز والمكثف.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان