حنان السهلاني
مع هدير المياه الهابطة من هضبة الاناضول وجبال طوروس, ومع الطمي والغرين, تأتي مياه النهرين العظيمين دجلة والفرات, محملةً بذاكرة حضارات اقوام سبقوا وبادوا, فتلقفها ابناء وادي الرافدين الذين استوطنوا ضفتي النهرين, ليسطروا بأناملهم تاريخا وحضارات سيجرفها النهران يوما ما الى البحر, لتبدأ رحلة البناء من جديد. تجري المياه مسرعة لا يقف بوجهها حائل غير التواءاتٍ في الارض تكونت عبر الدهور, اعطت للنهرين شكلهما المتعرج ليرويا اوسع ما يمكنهما من المساحات, وكالفراشة تحوم حول الضوء, تجمع الناس على ضفتي النهرين يكتبون تاريخهم, مستخدمين مياههما مِداداً, والغرينُ قرطاساً. حتى بعد حين من الزمن يمحوا النهران ما كتبه الناس بفيضانات مفتعلة, وبغضبٍ وهيجان, فيغمر المدن والقرى ولا يترك منها الا بقايا آثار تقول “كانت هنا امبراطورية, مملكة, مدينة” إنه وادي الرافدين, او “الكأس الفوارة” كما سمَاه الساميون الذين استوطنوا ضفاف نهريه بعد هجراتهم التاريخية المتتابعة من شبه الجزيرة العربية. صورَّه خيالهم الخصب, بيدٍ تحمل كأساً يفور منها نهران, يتفرع من كل نهر ثلاثة افرع. يتمدد دجلة في شرق العراق, والفرات في غربه, فالماء عندهم هو الحياة, والحياة تعني الماء. رحلة ابناء الرافدين مع هذا التوأم, رحلة أزليَّة, يحلُّون حيث حلَّ, وإن هو غيَّر مساره يشدون الرحال, لتتحول الارض الى صحراء تدفن في ذرات رمالها تاريخ حضارات واقوام وشعوب عمرُّوا هذه الارض واستمدوا حياتهم من النهرين الخالدين, تاريخا كُتب بهيئة نصوص مسمارية, او رُقُم طينية. ارض وادي الرافدين “المنخفضة” بالنسبة لما يحيطها من البلدان, جعلتها مستودع اسرار وخزائن العالم. تحكمَّ النهران الخالدان دجلة والفرات في الحياة, يحملان مع الطين والغرين, الخصوبة والنماء للأرض, وتعلقت عيون ابن الرافدين بنبع الحياة هذا, يرقبونه دوما, يعلمون متى يسكن ومتى يغضب, وإن غضب فانه سيجرف كل شيء, بل لا يلوي على شيء, فكان لا بد لابن الرافدين ان يكون قد اعد العدة لتقلبات مصدر حياته. إنه دائم البحث عن طرق جديدة للري وسقي المزروعات, وخزن المياه, “وبكلمة اخرى إنه دائم القلق” تعود الناس تتجمع من جديد حوله بعد أن اغتسلت ذاكرتهم بمياههما العذبة, ليعودوا من جديد يُنشئون حضارات عظيمة ويعلمون الناس الكتابة ويخترعون العجلة ويوقدون النار للتدفئة وصنع الطعام, ودليلٍ في الظلمات. إنهما النهران اللذان لا يرضيان بالجمود والسكون والعيش على الذكريات واجترارها, فلا مجال لذلك ابدا. إنهما يزودان ابن الرافدين بخلاصة حضارات الامم الاخرى, ثم بعد قرون يمحيان بفيضانهما ما كُتب, فيُعمل فكره لكتابات أخرى. انها الارض التي يصعب إرضاؤها, إنها متجددة دوما.وابن الرافدين, قلق دوما يُسرع الخطى نحو نقطة النور,
انها لمسيرة شاقة مُتعَبة.









