حنان السهلاني
“المحبة, التعاون, نبذ العنف” تلك هي الثيمات الاساسية التي اشتغل عليها الكاتب عبد الرضا محمد صالح, واضاء بها عمله الروائي ” سبايا دولة الخرافة”تقول الناقدة د. نادية هناوي في حديث لها ” امتازت الرواية العراقية عبر مراحلها بالاهتمام بإشكالية البناء للزمان والمكان والشخصيات والاحداث, لكننا لاحظنا انحسارا واضحا في التجريب الشكلي مقابل اهتمام منساح في البحث عن المضامين والموضوعات, وما عاد الروائي العراقي منشغلا بالاليات قدر انشغاله بالثيمات” ما لاحظته عند قراءتي للرواية, ان الروائي كان مهموما في كيفية ايصال هذه المأساة, كما حدثت بالفعل, الى المتلقي والقارئ بأمانة, أداته في ذلك “اسحق” المواطن المسيحي الذي ولد في العمارة, وعاد الى الموصل, مدينة آبائه واجداده ليكمل دراسته ويتزوج’ قبل ان تقع الاحداث وتسقط المدينة العريقة بيد المسلحين الذين استباحوها بالكامل. “اسحقٌ” هذا, رافقناه ساردا بهدوء, احداثا ملئت (224 ) صفحة من القطع المتوسط.
وقد توارى المؤلف خلف بطل روايته حتى كدنا ننسى وجوده, لكنه كان يظهر بين فصول الرواية بعبارات قصيرة تشبه الحِكَم. يروي “اسحق” أنهم بعد إخراجهم من المدينة بقوة السلاح ومنعهم من حمل اي شيء من نقود او مصوغات, هربوا بعيدا خارج المدينة, لكن المسلحين لحقوا بهم فقتلوا عشرين رجلا من بينهم “دانيال” جد “اسحق” ورفيقه في الحياة, وسبوا بعض النساء, من بينهن “مريم” عمته. غلت الدماء في عروق الشاب و تراءت له عمته والاوغاد يبطشون بها, كظبية وقعت في الأسر, فجردَت من كل وسيلة للهرب او الدفاع عن النفس. اصبح وحيدا يحمل مسؤولية نساء هنَّ عماته وجدته وزوجته. بعد ان وصلوا الى العمارة واستقروا في مسكنهم القديم, بدأت فكرة العودة الى الموصل ثانية للعثور على عمته واعادتها الى احضان العائلة تعتمل في داخله. لم يغمض له جفن واعتلت صحته, حتى وجد سبيلا الى ذلك, هو جاره المتطوع “حيدر” الذي ارشده الى القائد “وليد” ضمن قاطع عمليات سامراء.
يستمر الراوي في وصف مشاعره والامه, وحرقة قلبه التي جعلته لا يهدأ له بال, ودائم التفكير في طريقة لاختراق التنظيم وانقاذ عمته, وكأنه يسمع صرخاتها وتأوهاتها, كسياط تلسع ظهره. وجد اصدقائه طريقة لإيصاله الى اسطنبول, عبر “السويد” للتطوع في أحد مكاتب التنظيم هناك على أنه مواطن اوربي ــ سويدي يتكلم اللغة الانكليزية بطلاقة. لونه الاشقر وعيونه الزرقاء وفرّا له الغطاء المناسب, وبمساعدة احد الاخوة الاكراد الذي حاول اقناعه بالعدول عن فكرته لخطورتها لكنه اصرَّ. انتظر اياما قليلة, استلم جواز السفر المزور الذي سيمكنه من دخول “الموصل” باسم مستعار. بدا رحلته الى السويد أولا ثم الى بلدته الحبيبة “الموصل” وعلى متن الطائرة يتعرف على المتطوعة في التنظيم, المغرر بها, الممرضة “الفيرا” التي ستكون له معها علاقة حميمية, وعونا له في العثور على عمته, لأنها كانت من المقربات للأمير. نجح “اسحق” في كل الاختبارات واجاب عن اسئلة افراد التنظيم باقناع. استطاع وهو استاذ الجامعة في علم طبقات الارض أن يخترق طبقات التنظيم الارهابي ويصل الى ما يريد.
اثناء ذلك تزوج حسب قانونهم من سبية “أيزيدية” عاملها كأخت, وحصل منها على بعض المعلومات, ثم قام بتهريبها الى اربيل عن طريق جاره الموصلي الذي سيكون له دور كبير في هروبهم جميعا من هذا الجحيم. بعد عدة أشهر تمكنت “الفيرا” وكانت تعمل ممرضة للمقاتلين, وبمساعدة صديقاتها اللواتي توزعن في قصور الامراء, من التعرف على المكان الذي تحتجز فيه “مريم” في احد هذه القصور. كانت عمته مثله جميلة وشقراء, ويوم عثر عليها لم تتعرف عليه للوهلة الاولى وهو باللحية الطويلة والملابس الغريبة. صارت نحيفة, هزيلة ومريضة. ساعدها “اسحق” على مغادرة الفراش وبدء رحلة الهروب تحت ستار الظلام.
تجولنا مع “اسحق” وهو يصف الاحياء الكئيبة المقفرة من المدينة التي تحولت الى مدينة اشباح, متخفيا, متنقلا بين الأزقة, خائفا من انكشاف امره, وبعد رحلة خطرة وتجربة مريرة وصلا الى اربيل ومن هناك اتصل باهله وزف اليهم الخبر السعيد.
عاد بعمته الى مدينة العمارة, وهناك اسقطت جنينها, ثمرة السبي والقهر, وهاجرت الى اوربا واستقرت فيها. في رواية “سبايا دولة الخرافة” صورتان للإنسان, صورة قبيحة, افعالها قذرة تزكم الانوف, وصورة ناصعة يفوح منها عطر الانسانية.وكان للامتداد الجغرافي لبطل الرواية من مدينة العمارة جنوب العراق حيث مسقط رأسه, الى مدينة الموصل شمال العراق, موطنه الاصلي, رمزية كبيرة ان هذا البلد عصيٌّ على التقسيم.









