ثقافية

قراءة في كتاب: "صراع الدولة والجماعات في العراق"

اعداد: حنان محمد حسن 

 

يعرِّف الكاتب المرحوم (سعد محمد رحيم) الثقافة بانها “حقل اكتشاف وصياغة المعنى” وفي هذا الحقل تتحدد المفاهيم والرؤى والقناعات, ويتبلور الرأي العام ووجهات النظر, وتتخلق الذائقة الجمالية والحس الفني, ويجري حوار او “صراع العقول”.  ثم يعرِّف المثقف بانه “هو من ينشغل بوظائف هذا الحقل” .

   إذن المثقف هو من تُشغله معضلة المعنى, بحسب دوركهايم. وبحسب محمد أركون, فان المثقف هو من يتحلى بروح مستقلة محبة للاستكشاف والتحري, وذات نزعة نقدية واحتجاجية تشتغل باسم حقوق الروح وحقوق الفكر. 

      في باب الثقافة يتناول المؤلف مجال حركة المشتغلين في الثقافة والتنوير, او ما يسمى “حقل الثقافة”  ودراسة حالة العجز واللافاعلية وخيبة الامل التي يشعر بها المثقف العراقي, ويتساءل تُرى اين يكمن الخلل؟ أفي النخب الثقافية ومؤسساتها؟ ام في السلطة؟ ام في المجتمع؟ أم في ذلك كله؟

إن فهم حقيقة الاشكالية بين السلطة بأنواعها “السياسية والاجتماعية والاقتصادية” وبين المثقفين بوصفهم الفاعلين في حقل الثقافة, ولأن الثقافة هي حقل اكتشاف المعنى.  يقودنا هذا الفهم الى حقيقة ان الحقل الثقافي كان دوما مفتوح الحدود, مخترقا خاصة في البلدان العربية والاسلامية,  حيث نجد المثقفين يشعرون بالعجز والاقصاء والغربة أزاء السلطة المتعالقة بالمعرفة, المنتجة لها.  

     ان التحدي الذي يواجه المثقفين هو في قدرتهم على تحرير ارضهم ومملكتهم, جزءاً بعد جزء حتى تتحرر كامل مساحة حقلهم الثقافي, وذلك عبر ممارسات ثقافية منتجة, مستندة الى استراتيجية فعالة, قابلة للتطبيق, تخرجهم من عزلتهم واغترابهم عن حقلهم اولا ثم  عن مجتمعهم ثانيا حيث, اخفقوا في ايجاد خطاب ثقافي ذي شحنة سياسية مؤثرة في المجتمع. فضلا عن افتقادهم الى افضل الوسائل للاتصال بالجماهير ونبض الشارع. وهذا يقودنا الى لب المشكلة, وهي مساهمة المثقفين عبر وسائل الاتصال المتاحة في التأثير في الواقع والرأي العام من اجل ان يمارسوا سلطتهم ومأسسة نشاطهم, عند ذلك يمكن ان يكون لهم مشروع ثقافي عراقي حقيقي, بعد أن يكونوا قد خرجوا من عزلتهم عن مجتمعهم.  

      لقد استدرج المثقفون طوال السنوات العشر الماضية الى خوض حروب في غير حقلهم, كأنَّ لا همَّ لهم سوى نقد السلطة, في حين كان من المفروض ان ينصب نقدهم ايضا على الموَّجهات الايديولوجية لتلك الممارسات السياسية, مع فضح الاليات التي تحول دون خلق مجتمع فعال. مع التأكيد أن ما ينقده المثقف يجب ان يقع في المنطقة المحظورة, الملغومة, الخطرة. حيث يعاد انتاج معرفة مقنعة بالموروث والمقدس, هي في الواقع غطاء كثيف لمؤسسات وفئات صنعت مكانتها عبر مدة طويلة من الزمن ورسمت أنطقة المحرم. 

تتحدد مهمة المثقفين في هذه الفترة الحرجة من تاريخ الوطن في ايجاد خطاب ثقافي واضح يؤصل مفهوم الدولة الوطنية الحديثة, بعدما أشاع السياسيون الطارئون منظورا للدولة يعود الى القرون الوسطى, حيث الدولة مجرد غنيمة للاستحواذ. وان يكون لهم “اي المثقفين”  مشروع ثقافي عراقي حقيقي, يُعدُّ  مفصلا اساسيا من مشروع بناء الدولة المدنية الحديثة.

 على المثقفين مأسسة فعالياتهم الثقافية في مؤسسات توفر لهم سبل التواصل مع بعضهم من جهة ومع فئات المجتمع من جهة اخرى. اما فحوى الخطاب الثقافي التنويري فلا بد ان ينصب على تأصيل مفاهيم الدولة والمواطنة والتسامح ونبذ العنف بأشكاله, وتقويم السلطة وتنمية الثروة وتوزيعها. 

  حين نتحدث عن ثقافة وطنية لأمة فأننا نفترض تعددية موجهات واتجاهات هذه الثقافة, فليست هناك ثقافة ذات اتجاه صاف وثابت بل مجموعة مدارس وتيارات مختلفة, متفاعلة ومتصارعة, وهذا لا يعني انعدام وجود سمات تميز ثقافة وطنية عن اخرى, وهكذا يمكننا الحديث عن ثقافة فرنسية, انكلو سكسونية, يابانية, وصينية. لكن السؤال هل يمكننا الحديث عن ثقافة عراقية؟ 

الثقافة العراقية الوطنية المعاصرة: هي مجمل النتاج الفني والفكري والادبي الذي ابتدعه نخبة من ابناء المجتمع العراقي سواء من عاشوا في الداخل او في المنافي والمهاجر منذ تأسيس الدولة العراقية 1921 م وحتى يومنا هذا, 

تحمل الثقافة العراقية إرثا يمتد الى آلاف السنين من التراث الثقافي الرافديني (السومري, البابلي, الاشوري) ثم المسيحي والاسلامي, وهي لا تستطيع ان تفصل نفسها عن الفضائين العربي والاسلامي. 

هذا التراث الكبير الذي هو مصدر قوة للثقافة العراقية, يُثقل كاهلها. 

وعلى الرغم من ظهور دولة عراقية حديثة على الساحة  الدولية في 1921 إلا اننا لا يمكننا ان نؤكد وجود دولة مؤسسات وقوانين وتقاليد وطنية حديثة وحقيقية, لما لهذا من آثار في تنمية ثقافة وطنية عراقية على مستوى الطموح. 

وماذا عن ثقافة ما بعد 2003 في العراق؟ 

كان التخريب الذي طال مؤسسات الدولة العراقية محاولة لتخريب البنية التحتية للثقافة في البلد, من نهب المتاحف وحرق المكتبات وتدمير المسارح والكاليريهات, تحت انظار قوات الاحتلال, لتتحول فرحة المثقفين بزوال النظام الدكتاتوري الى خيبة امل كبيرة وصدمة وحزن وعجز عن ايقاف عملية تدمير المؤسسات التي ستنهض بالثقافة. 

 بدا هذا العمل التخريبي وكأن يدا خفية محلية واقليمية ودولية وراءه, ومع ذلك عزم المثقفون افرادا وجماعات على تفعيل الحياة الثقافية بسرعة. قناعةً منهم ان بناء دولة المؤسسات والشروع بتنمية شاملة لن يحدث بدون مساهمة القطاع الثقافي. 

    كانت جرعة الحرية التي تلقاها المجتمع العراقي في الاشهر الاولى للاحتلال مفرطة بعد عقود من الكبت والقمع وبدت اقرب الى الفوضى. وفي هذا المناخ سادت روحية الثأر, والتعصب الاعمى,  وانتشرت مظاهر العنف وانتعش الارهاب, ولم تكن النخبة السياسية الجديدة بمستوى التصدي للتحديات الجسيمة.  اما النخب الثقافية وهي تجد نفسها عاجزة امام دعاوى الطائفية والعرقية والعشائرية والمناطقية,  فأنها لم تستسلم, واستثمر المثقفون قنوات الاعلام المختلفة لإيصال اصواتهم للأخرين.

 وكان افكارهم انتصرت, فاليوم نجد بعض القوى والتيارات السياسية ترفع شعارات الدولة المدنية واحترام القانون والسلم الاهلي. 

 ومع تقوية بناء الدولة المدنية وانحسار الامية المتفشية في المجتمع ووعي الطبقة السياسية بدور الثقافة في البناء الاجتماعي والاقتصادي, تزدهر الثقافة. 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان