حاورها / علاء الماجد
* بهذه المناسبة السعيدة التي يستذكر فيها الشيوعيون العراقيون تلك الامجاد والبطولات التي سطروها على مدى 82 عاما، كيف تستذكر المناضلة (ام بشرى) تلك المحطات النضالية بحياتها؟
– في البداية ارحب بكم واشكركم على هذه الزيارة، وزيارتكم هذه ارجعتني الى سنوات النضال الأولى، وتحديدا الى عام 1957 حينما كنت طالبة في الاعدادية ، في ذلك الوقت تعرفت على عدد من المدرسات والطالبات اذكر منهن بالمقدمة استاذتي الفاضلة المرحومة نزيهة سليم ومريم شرارة واخريات ، وعرفت من خلالهن رابطة المرأة العراقية ، واتحاد الطلبة العام في جمهورية العراق ، كنت حينها في الصف الخامس الاعدادي . تلك هي البداية التي من خلالها فهمنا أهمية النضال من اجل الشعب. وقد كان للمناضلات اللواتي سبقننا الدور الكبير في توعيتنا وايماننا بعدالة قضية شعبنا وتطلعه الى الحرية، وخاصة مدرساتنا التقدميات. تخرجت من الاعدادية والتحقت بالدورة التربوية للمعلمات، وتخرجت منها عام 1958 عند قيام ثورة 14 تموز، حيث اني من مواليد 1939، وكنت مرتبطة وقتها بحلقة اصدقاء للرابطة والشبيبة واتحاد الطلبة. وكانت احدى الرفيقات ( لايحضرني اسمها) هي من تقوم بايصال المنشورات والافكار والمعلومات، الى ان قامت ثورة 14 تموز وانا في طريقي للتعيين ، وفي اول يوم من أيام الثورة 14 تموز التقيت العمة زكية خليفة ، فكانت رائدتي وامي ، يعني هي اكملت ما اعطتني امي من حنان ورعاية ، الحقيقة بالنسبة لعائلتي لم تكن عائلة ذات اهداف سياسية ، انما كان والدي انسانا كادحا بسيطا، ولكنه يمتلك حسا وطنيا عاليا، فكان يزودني بالقصائد لقراءتها بالمدرسة في يوم رفع العلم ونلقي قصائد للرصافي ونلقي الشعر الوطني، وكان على بساطة تفكيره ارادنا ان نتم تعليمنا، وهو يعيل 6 اولاد استطاع بمرتبه البسيط ان يخرجهم جميعا ليحتلوا مكانة مرموقة في المجتمع …
* لقد تعرضتِ للاعتقال بعد انقلاب شباط الأسود، هل تحمل ذاكرتكِ قصصا عن تلك الأيام؟
– بعد اعتقالي واقتيادي الى قصر النهاية، سمعت صراخا من داخل التوقيف، اقتربت من الشباك المطل على الساحة فرأيت الحرس القومي يقتاد عددا من الشيوعيين، وكان معهم الرفيق الشهيد متي الشيخ، وكنت قد زرت الرفيق متي الشيخ قبل الانقلاب بـ 3 ايام لانه كان نقيب المعلمين، كانت عندي مراجعة وذهبنا انا وجعفر لانه كان صديقه، كانوا قد عصبوا عينيه واوقفوه قرب شجرة ثم انهالوا عليه بالرصاص، لقد مضت 50 سنة على هذه الحادثة وانا مستغربة كيف لم افقد عقلي لحظتها. بعد هذه الجريمة اتت سيارة يبدو ان فيها شخصا مسؤولا من زمرة البعث نزلت منها مجموعة، كان في مقدمتهم ميشيل عفلق وكانت جثة متي الشيخ ممدة على الارض، وحين رآها عفلق قال لهم: لماذا قتلتموه، من المفترض ان تأخذوا منه اعترافات كاملة. في خضم هذه الاحداث كنت اشعر بالقلق على الاطفال، زوجي كان متخفيا، لكن اطفالي كانوا امام عيني رغم كل الالم والقلق ومواجهة مصير مجهول. كانت لحظات من اسوأ اللحظات التي مررت بها في حياتي.
* كم بقيتِ في المعتقل؟
– بقيت 8 اشهر.
* هل وجدتِ نساء اخريات هناك؟
– اول ثلاثة ايام بقيت وحدي، وبعد التحقيق اتوا بامرأة تحمل معها طفلة بعمر ابنتي بشرى، عرفت فيما بعد ان هذه المرأة هي اخت عزيز الشيخ ، لم اكن اعرف عزيز الشيخ لكنني قد سمعت به قبل ذلك ، وكانت قد اعتقلت في مركز شرطة المأمون قبل ان يأتوا بها الى قصر النهاية . بعد ذلك اتوا بـ 60 امرأة.
* هل تتذكرين احدا من هؤلاء النسوة؟
– كانت معنا المرحومة عايشة رمضان وكانت رابطية، وكانت معنا زوجة مقداد ام عبير، بعد ذلك باربعة اشهر تقريبا جلبوا نساء من قصر النهاية كانت من ضمنهن المناضلة المرحومة رضية الصفار، وايضا عدد من الطالبات من كليات مختلفة وصحفيات منهن فاطمة جمال الدين. اصبح عددنا بعد ذلك بحدود 60 امرأة و 16 طفلا. وكان الذي يحقق معنا قاسم حمودي وبهيجة المدني وصباح المدني، وانا قلت حينها انني رابطية، والرابطة منظمة جماهيرية مجازة وهي غير حزبية، فسألني قاسم حمودي: (شمعنه انتي رايحة للرابطة ليش مرحتي لنساء الجمهورية؟) فاجبته ان ذلك اعتمد على شطارة التي كسبتني.
* وبعد تلك الفترة التي استمر فيها توقيفكِ لمدة 6 اشهر؟
– انتهت ماساة 63 وفصلت من الوظيفة، واختفى زوجي جعفر ابو العيس، الى ان انتهت فترة حكم البعثيين والحرس القومي. بدأنا نرتب امور عائلتنا، وعدت الى الوظيفة بعد ذلك. وكانوا يرسلوني الى مدارس بعيدة كمعاقبة لي فقد خدمت في مدار الثورة والشعلة اكثر من 17 سنة. ومرت سنين عجاف علينا من هجرة وبعد عن الاطفال وكما حال كل ابناء شعبنا وعدت الى الوظيفة بالقرارات الجماعية باعادة المفصولين، ولكنني وبسبب توجهي السياسي المعروف لديهم نسبت الى الاماكن التي يتصورونها عقابا لي ولكني افرح بها لكونها مع من اسعى لتحقيق هدفي معهم، كادحي وطني من الشعلة والثورة .. فامضيت ثماني سنوات في الشعلة وتسع سنوات في الثورة.
* واستمر النضال؟
– لم اتلكأ عن متابعة قضايا النساء ونصرتهن في هذه الفترة من السبعينيات من القرن الماضي، اذا صدرت بعض القرارت من مجلس قيادة الثورة انذاك بزيادة العلاوة للموظفين ومخصصات الزوجية ومنحها للزوج الموظف فقط وحرمان الموظفة التي لايعمل زوجها من ذلك ، فكتبت في جريدة طريق الشعب انذاك رسالة موجهة الى مجلس قيادة الثورة اشرح فيها لماذا لم تمنح المراة الموظفة استحقاقها واطفالها وهي المرأة العاملة في الدولة، هذا الحق والنتيجة اجيب على رسالتي بالموافقة على تعديل هذا القرار ومازال يعمل به واستفادت منه حفيدتي .
* وبعد انهيار الجبهة؟
– تدور الايام وينفض عقد الجبهة انذاك ونعود كرة اخرى للملاحقة والمضايقة ومثل ابناء شعبنا نلاحق بالجرد المعلوماتي الشهري والاستدعاء لمركز الشرطة ومقرات حزب البعث المقبور وامن المنطقة وبالاخص لزوجي المرحوم جعفر ابو العيس ..
اما انا فلم اسلم من عنت ومضايقة مديرات المدارس التي عملت بها، رغم جديتي في عملي بحجة عدم انتمائي لحزب البعث، واصبح التضيق شديدا جدا في ثمانينيات القرن الماضي مما اضطررت لطلب احالتي على التقاعد بعد ان اكملت خمسة وعشرين سنة في خدمتي الوظيفية ورغم انه كان بامكاني الاستمرار لخدمة طلابي .. وفي تسعينيات القرن الماضي اقعد المرض زوجي فقررت ان تستمر عائلتي بطريق الحياة، ففتحت مشروعا صغيرا للخياطة وبيع لوازمها، وكانت الازمة اذ لم يوافقوا على منحي اجازة فتح المحل الا بصعوبة بالغة، ومراجعات امنية وحتى الاجابة على اسئلة طائفية ومن اهمها كيف تزوجت من شيعي وشيوعي ولماذا ؟؟؟ وبعد الوساطات استطعت الحصول على الاجازة، وبقيت تحت المراقبة وحتى الزيارات الامنية .. وقضينا فترة الحصار بين ضغط الظرف العائلي الصعب وضائقة الحصار المالية، كما كل ابناء شعبنا، ومرت بنا مضايقات لها قصص لايسعنا حديثنا ….
* هل انتِ متفائلة؟
– نعم متفائلة، لانني انظر الان الى ابنتي بشرى وهي تكمل مسيرتي الثورية في حزبنا العظيم، وتنشط في الحراك الجماهيري من اجل الشعب والوطن. كذلك عملها الدؤوب في الرابطة والمنظمات الانسانية الاخرى، انها تذكرني بعنفوان شبابي وصلابتي في مواجهة الشدائد.








