ثقافية

نص قنزة ونزة… مساجلات عن الكتابة والتاريخ والعرفان

د . عالية خليل إبراهيم

 

    على غلاف روايته “هتلية” يضيف المؤلف شوقي كريم حسن عبارة (ليست رواية)  للعنوان الأصل بوصفها علامة مفتاحية دالة من الممكن أن تقرأ الرواية بأكملها في ضوئها وقد استخدم فيها لغة الكشف الصوفي التي احتفت بتنميق العبارة ورصانة السبك على حساب أقانيم الخطاب الروائي الثلاثة(الزمن، الحدث، الصوت ووجهة النظر) وظلت الشخصية الرئيسية وما رافق حياتها من أحداث شاهدا على ملامح كينونة روائية مبسطة، ولابأس في ذلك من وجهة نظر المؤلف فقد أراد التهكم منذ البداية من التقاليد الروائية المسبقة عندما وضع ليست رواية على غلافها فمسألة التقاليد نسبية وقد لا تأتي من أفكار وتنظيرات متوارثة عن الرواية الأوربية وهي فن حديث نسبيا لم ينضج الإ في القرن التاسع عشر. إنً التقاليد الروائية عبارة عن عقد شراكة بين المرسل والمرسل إليه أو المؤلف والمتلقي يتجدد مع ولادة كل نص ألم يقل (باختين) عن الرواية إنها وليدة الكرنفال وليست نتاج محاكاة الفعل كما أقر ذلك أفلاطون ومن بعده الكثير من الفلاسفة والباحثين، والكرنفال كلمة تقلق وتشتت أكثر مما تنظم وتؤلف.

  “قنزة ونزة” روايته الأخيرة يرجع عنوانها بالقارئ العراقي إلى لعب الأطفال وحروفهم المنغمة العابثة وفيها يواصل الكاتب ملاحقة الهاجس الذي هيمن على أجواء رواية “هتلية” وهو كتابة تاريخ للمهمشين العراقيين من خلال تحييد سلطة القص والاحتفاء باللغة الأدبية  بدلا منها، فيقول ” الحكايات هدمت بيوتنا الرجاء في دواخلنا”( )،فالقصص التي تروى بالتكنيك التقليدي تفتح الباب واسعا للزيف والأكاذيب فيمسخ التاريخ بفعل تزييف الحكي ويغدو اطلالا بعد عين لا يروى عطش الإنسان الظامئ للمعرفة والاستبصار، فالبطل في الرواية ومعه المؤلف يبحثان عن تواريخ ناصعة للمهمشين توثق هويتهم الذاتية بعيدا عن الاعيب السرد القصصي التي يتداولها كتاب الرواية.  

  وقد يزيح هاجس البحث عن تاريخ ناصع من وعي المؤلف دور الخيال في إعادة ترتيب ما تبعثر من أوراق الزمن، فالأدب يعد مصدرا للمعرفة من خلال توسط الخيال بين الذاكرة الفردية وبين التاريخ بوصفه ذاكرة الجماعات الإثنية والطبقية، يقول “بول ريكور” عن أهمية المتخيل الروائي” يتضمن العمل الخيالي عالما كاملا معروضا أمامنا يكثف الواقع ويجمع ملامحه الجوهرية في بيئة مركزة أو عمل”( ) وبذلك تستمد التقاليد الروائية عوامل ثباتها من أهمية المخيلة وما ينتج عنها من إعادة تشكيل للزمن التاريخي والنفسي كليهما من خلال تجليات الصورة الذهنية والنمطية، الأيقونية والرمزية، الثابتة والمونتاجية وليس من شرعة القصص بمفردها، طاقة المتخيل وتجليات الصورة السردية تبدو باهتة الملامح في نص “قنزة ونزة”.

  يناقش بطل الرواية اليساري المهمش الذي لم يُذكر اسمه ولا مكان نشأته ولا الأحداث التي عايشها أو سيرته الذاتية ثلاث قضايا رئيسية أولاها: مشروع الرواية وكيفية كتابتها ووظيفتها. ثانيا قضية الجنوسة متمثلة بالعلاقة بين المرأة والرجل “الجنس والرغبة ” علاقة الجسد بالحب الروحي، والهوية الجنسية بين الذكورة والأنوثة والخنثى، وقد ناقش أخيرا قضية التدين والالحاد. يتكلم في القضية الأولى عن أهمية العرفان في الكتابة الروائية ،يعني المعرفة الخاصة عن طريق المشاهدة القلبية لا بواسطة العقل ولا التجربة الحسية ويعد رياضة روحية لصيقة بالتدين ومنه ما هو إسلامي ،والعرفان المسيحي، وهنالك العرفان في الديانات الأخرى.

     في الرواية ثمة تأكيد واحتفاء بالعرفان المسيحي، فحبيبة الراوي” ميري” راهبة مسيحية تجمع بينهما علاقة حب يتخللها كلام عن المسيح ودعوته للمحبة والتسامح” ليتك تعرف أن الحب لغز يسوع الأكبر الذي يجلب عند بوابات الكنائس”( ) تمثلت تجربة العرفان في الرواية باللغة الوجدانية التي تميزت بالعبارة الإنشائية المكثفة التي تمزج بلاغة القول وحكمته إلى روح التهكم والسخرية اللاذعة” المعاني عجز، الاثام سلالات تدفع إلى التأمل تعتقد أننا ولدنا من أجل أن نصنع حكايات لا قصصا فارغة لا تثير في الأعماق سوى نزر يسير من القبول”( ).

  يفرق الراوي بين الحكاية ويعني بها الخطاب الروائي وما يشتمل عليه من سرد ووصف وحوار ولغة أدبية وبين (القصة) وتعني سرد القصصي التاريخي متضمنا تتابع الأحداث ومكابدة الشخصيات، وهو يميل للحكاية (الخطاب) لأنها أكثر بلاغة وأشد تأثيرا من القصص يقول عن العرفان” الضجيج يملأ أرواحنا بالعرفان وكأننا نسعى باتجاه الخلود”( ) ويحاور حبيبته ميري” أن الكون معنى لا غاية وان الفعل قوة كون لا غاية علمية كيف يؤرخ ويمحو الرؤى، دعيه يطرد عن جفنيه الظلام ليستطيع عبور الطريق إلى الطريق”( ). بهذه اللغة وبالانزياح عن عالم الأحداث وتتابعها يبين الراوي سمات وممارسات المثقف المهمش” إن هذه الأيام فارغة من وهج ديمومتها، أعرف أن ليس ثمة من جدوى لأن تؤسس في مكان يعتبرك هامشا لهذا لا استقر لا أعرف ما تعني كلمة استقرار ، لا أعرف لم يحتم عليً أن استقر، مروض حرباوات من الطراز العظيم حرباء بلون الاخضرار وأخرى تشبه سنابل الحنطة وثالثة..”( ) تتراوح سمات المهمش الجنوبي بين عدم الاستقرار وانعدام الإرادة الصلبة والرغبة في التغيير ،والنظر إلى الذات بدونية واحتقار:” كل ما أرسمه تأخذه اشباح العجز وحولته إلى ركام من عظام نتنة تثير الاشمئزاز لهذا منحتني البارات والشوارع والمواخير صفة مواطن دائم بين أحضانها”( )يرافق ذلك الشعور بقلة الأهمية السياسية والتاريخية وعدم جدوى الأفكار، ودائما هنالك ازدواجية واضحة بين التفكير وبين التصرف، أمً الراوي المرأة الجنوبية التي ضرستها قسوة الحياة وطحنها شظف العيش في الهوامش والأرياف اكتسبت من معاناتها قوة الإيمان وحكمة البسطاء البليغة ،تفهم المرأة ابنها وتعرف اخطاءه وسقطاته وتذكره بها كلما حاورته بلهجتها الجنوبية” هاي الازدواجية عيب عليكم تريدون تبنون دولة اشتراكية وتسبون الاستعمار والرجعية وتشربون ويسكي امبريالي وتحلمون تهاجرون لبلدان الرأسمالية”( )ولأنها تملك حكمة الحياة وليس الكتب  يصفها الروائي بأنها ساردة أفضل من “ماركيز”.( ) 

ومن صفات المهمش الاستغراق في الملذات الحسية مثل معاقرة الخمر والرغبة الجنسية” كل ما أحلم به فراش وحضن امرأة تلوث عذريتي بدم لهاثها الكذب”( .) استحوذ خطاب الخمرة والجنس على نصف الرواية أو أكثر حيث طرح الراوي اسئلة عدة عن أصل الرغبة وتحكمها في وجود الانسان خاصة الرجل المهمش الذي يجد في اللذة الجنسية سعادته الوحيدة في مواجهة احباطاته في الحياة وعدم مقدرته على تحقيق ما يصبو إليه فكريا وسياسيا ” إن الدنيا مرتكزة على ثلاث دعامات لا غير كأس و…ك ودينار حقيقة مرة نخجل من مواجهتها”.( )، يبدو الراوي وهو يتحدث عن الجنوسة بأنه أقرب إلى طبيعة الأنوثة متمثلة بالعطاء الجسدي والحنو والعطف والتضحية، يصرح البطل بأن إحدى أهم عيوب الرجل الشرقي(الفحل) التي تجعل منه كائنا قاسيا وجحودا من جهة ومريضا نفسيا من جهة ثانية هي نبذه للجانب الأنثوي في تكوينه الروحي والعقلي فيظل يمثل دور القوة والغلبة وهو الأضعف والأجبن” ما الذي يتبقى مني إن أنا قتلت أنوثتي”( )، يهدف  خطاب الجنوسة إلى نبذ ثقافة الفحولة لأنها المسؤولة عن كثير من العقد النفسية والعاهات السلوكية والعوق الفكري للإنسان الجنوبي المهمش ويدعو لثقافة الخنثى لأنها تمكن الفحل من التعاطف والنظر بعين التسامح والقبول لجانبه الأنثوي المطمور تحت ادعاءات الفحولة” عالمنا لا يمكن أن يرضى بالأنوثة سيدا عالم اغتسل بفضائح الرجولة وأدمنها”( ). أبرزت الرواية نموذجين للأنثى الواعية والمرهفة الإحساس هما “ميري” الراهبة الطيبة حبيبة الراوي/ البطل ثم زوجته وأم ابنه “عيسى” الطفل الذي لم يتعرف على والده لأن الأخير في رحلة متواصلة من التيه والضياع والغربة الزمانية والمكانية، المرأة الثانية “جورية” والدته وهي بمثابة مرآة ذات الراوي يرى عيوبه وسقطاته من خلالها وهي الناصحة الأمينة له تدفعه ليكون رجلا بحق وليس ظلا لرجل آخر يحب الشيطان ويصادق” نابليون”. تموت “جورية” في النهاية ولأنها تمثل صورته الملائكية يموت الإنسان بداخله ويبقى جانبه المظلم فقط ،هنالك حيث يألف الشيطان ويعقد معه أحلاف وصفقات تجعل منه وحشا بصورة إنسان.

  تبقى معالجة قضية الإيمان والالحاد في الرواية وكما ذكرت سابقا فإني أجد أن المؤلف قصد الإشادة بالدين المسيحي لأنه دين يدعو للمحبة والتسامح وليس فيه تشريعات صارمة وأطر مقيدة للإنسان كالتي موجودة في الدين الاسلامي، لم ينتقد الراوي/المؤلف الاسلام مباشرة لكنً مجرد سحبه إلى هامش الرواية وتسليط الضوء على الديانة المسيحية ووضعها في المركز وحدها دلالة كافية تبين للقارئ فحوى النص. الراوي / البطل  في  الرواية مسلم/شيعي لكنه لا يكاد يفقه شيئا من الدين والمذهب سوى اعتداده وتبجليه للإمام “علي” ،هذه الشخصية تضرب بعيدا في فكر وهواجس الشخصية الرئيسية وتظل تشده دائما إلى دينه الإسلام وإن كان ملحدا ليس بمعنى الكفر بالله وإنما بالمعنى الشكوكي الذي يتبناه المفكرون فهم لا يقبلون بالمسلمات والقبليات الفكرية بل يظل البحث والسؤال ديدنهم للوصول إلى المعرفة. 

  تطرقت الرواية للكلام عن سلسلة المتناقضات التي تثيرها ثنائية الايمان/الإلحاد، من تلك الثنائيات الشيطان/المخلص، الفضيلة/الرذيلة، يقول الراوي محاورا والدته” تدرين يمه يا حبابة أربعة وأربعين الف نبي ومحد انصلح ظلت الفضيلة أكبر كذبة بحياة الانسان ليش دم ودمار وماكو واحد يقلك لا”.( ) رواية “قنزة ونزة” قاربت لعبة الحياة ،لعبة الشك في الدين والكتابة والتاريخ، وهي لعبة الشك في الإنسان ذاته.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان