علي لفته سعيد
تبدأ مجموعة الشاعرة حذام يوسف طاهر من العنوان الذي تحوّل من دليلٍ الى مدلولٍ وبالتالي فإنه يدخل معترك اللحظة التحليلية كمستوىً أقرب الى المعترك الفلسفي كمستوى أعلى .. فالذاكرة الجمعية دائما ما يتم التركيز على قول الحبّ وأشياءٌ أخرى، قد تكون مساعدة على التنمية أو قادرة على التفكيك على اعتبار إن ليس الحبّ وحده موجود في الحياة، بل هناك أشياء أخرى.. وطاهر هنا أزاحت المتراكمات التنويهية أو المفاهيم الثابتة للأقوال المتداولة الى ما يمكن أن يجعل المتلقّي يبحث عن الأشياء الأخرى، ليس بصفتها المرافقة للحب أو التي يمكن أن تجعله صحيحًا أو فاشلا.. بل يبحث عن ماهية الأشياء داخل الحبّ نفسه.. فمفردة ( أشياؤه) تشي بالعديد من المركّبات اللغوية، مثلما تعطي الكثير من الأسئلة.. وهنا يمكن الدخول على إنه عنوانٌ تحليليٌّ مثلما هو عنوانٌ فلسفيٌّ وبالتالي فإن عملية الغوص في النصوص التي كتبت تنويها عنه في الغلاف الأول ليكون عتبةً نصيةً أخرى من إن هذه المجموعة ( نصوص شعرية ) لكي يبدأ البحث عن الشعر والشعرية في هذه النصوص التي تبدأ بنصٍّ يحمل العنوان الرئيس والذي سيكون مفتتح البحث عن ماهيته ودلالاته ومدلوله.. على الرغم إن العنوان الآن يشكّل عتبةً ويستحسن ألّا يكون عنوان نصٍّ من النصوص، لكي يحمل مفهوم كلّ المجموعة، لأن النصوص التي يصل عددها الى 51 نصًّا تحتاج الى أن تتحوّل من كونها عناوين نصوصٍ مختارة الى انها جزءٌ من محمولٍ كلّي، وبالتالي تكون عملية التحوّل من دليلٍ الى مدلولٍ قابلٍ لربط كلّ ما يمكن صيده من نتائج تأويليةٍ أو حصاد قصدي في النصوص.
إن عناوين النصوص هي النظرة الأولى لأيّ نصّ.. وفي مجموعة طاهر فإنها جعلت العناوين وكأنها محمولٌ يوميٌّ لا يخرج عن طاقية التأويل المناجي لذائقة المتلقّي.. بمعنى إنها تركتها وكأنها تتحدّث معه وتركته في أغلب النصوص عبارةً عن كلمةٍ واحدةٍ في ثلاثين نصًّا.. ومن كلمتين في اثني عشر نصًّا، فيما كانت بقية النصوص تتألّف من ثلاث أو أربع كلماتٍ وهي أربعة نصوص.. وهو ما يشي انها أي الشاعرة أرادت أن تترك العناوين محمولًا للقصدية التي تعني بالنسبة لها ان نصوصها مفروشة المعنى والأدلة للمتلقّي، وهي أيضا تشي ان مفردتها الشعرية منغمسةٌ في عملية المواجهة أو المقابلة مع المتلقّي، لكي يكون النصّ عبارةً عن مراوغةٍ حكائيةٍ لها نصّ شعري بقامةٍ سرديةٍ يراد منها إعطاء المحمول التأويلي ليكون مستوى مسايراً للمستوى الفلسفي.. ولهذا نرى ان النصّ يبدأ إخبارًا مع الذات/ أنا ويكون موجّهًا الى الآخر/ هو.. وبالتالي مغادرة الإخبار الى تصوير المعنى، فيكون النصّ من العنوان الى النهاية عبارة عن موقعٍ سرديٍّ أو منصّةٍ شعريةٍ فيها المخاطب واضحًا.. ولهذا تعتمد الشاعرة طاهر على مهمّة توزيع الضربات النصّية داخل النصّ، لكي تكون التأويل بمقدار الحصول على معرفةٍ ماهية القصدية.. ولهذا نرى أن البنية الكتابية في النصوص تبدأ وتنتهي وكأنها استهلال ومتن كلّها منطقة واحدة، وبذلك يكون التأويل ليس من خلال دهشة النهاية كما تكون عليه بعض النصوص الشعرية، بل الدهشة بما تفعله اللغة السريعة في بناء وحدتها النصيّة لتكون جسدًا.. وهذا الأمر نراه في جميع النصوص سواء تلك التي كان تدوينها على انه نصٌّ قصيرٌ بضربةٍ شعريةٍ أو نصٌّ شعريٌّ بمحمولٍ تأويلي/ فلسفي.. دون أن تكون هناك قصديةٌ لدى الشاعرة في تبويب النصوص بقدر ما كانت الحتمية التي جعلت من هذه النصوص عبارة عن عملية سكبٍ لما يمكن التقاطه بعين الشاعرة/ المرأة/ الأنثى التي تتيح لها كمحمولٍ] دلاليٍّ على أن تكون مفردتها متلاعبة في ترتيب متنها الشعري، ليكون وكأنه مفتاحٌ لما يمكن أن تفكّر به كشاعرةٍ وامرأة، فيكون التوظيف التدويني كبنيةٍ كتابيةٍ تدوينا شعريًا حتى إن الملفوظات حاملةً لتلك الموسيقى الداخلية المتقبلّة لعملية الكتابة في لحظتها التدوينية، أو مقابلة للحظتها التدوينية في مرحلة التلقّي.. ولو أخذنا كتطبيقٍ لما نقوله في وحدة الموضوع واكتمال الجسد وغياب الاستهلال لإعطاء المعنى الكلّي في القصيدة التي تحمل عنوان المجموعة (اعلم انك غادرت../فمنذ ألف وهم/وأنت ليس هنا/تشكل حروفا من اللامعنى/ياااااا.. أنت/ستبحث عني كثيرا/ولن تجدني/ستكتب عني كثيرا ../ولن تقرأني/س……. تبقى تحبني/لكن الذي في داخلك/سيبقى يلعنك/أيها البدوي المتحضر/لم تكن إلا أنت/تغادر حروفنا الأولى/وتقتل أغنية على عتبة الوهم أرجوك/لا تبحث عن جدائل حروفي/فلن تجد سوى.. أحرف العلة)
فهي هنا تكشف عن محتوى المعنى مثلما تكشف عن محتوى المعادلة الحوارية الأنا/ الذات/ الاخر هو وهو أمرٌ طبيعيٌّ في المحاورات الشعرية التي تكون موجّهة.. لكن المتميّز كتدوينٍ وليس كفكرةٍ فأمر المقابلة متروكٌ للمتلقّي، فالمقابلة النقدية هذه تبحث عن التدوين وطريقته كبنيةٍ كتابية.. ونرى في نصّ (ثبات) ما يعطي أهمية استمرار طريقة التدوين على أنها لحظةٌ واحدةٌ تسكبها في إناء التلقّي لتقول ما تريد قوله في المقابلة الحوارية (مازال في العمر فسحة للأمل../مازال في يومي /إشارات تزدحم على يدي/فتزدحم الأمنيات /وترتطم بجدار الذكريات /ولكن../ما زال في يدي بعض مفاتيحي/إذن هناك .. فسحة للحب)
إن بنية الكتابة وطريقة التدوين في مجموعة الشاعرة طاهر.. تعتمد على ثلاثة أشياءٍ مهمة في ترابطها.. أولها: انها تعتمد على ثنائية المقابلة الحوارية وكأنها تخاطب آخر فتعطيه مهمة الصوت أو مهمة الصدى، لكي يصنع منها تأويله الخاص وكيفية جمع أكبر قدرٍ من الفلسفة المراد حصادها.. وثانيها: إنها تمنح المفردة قامةً سرديةً باستخدام الأفعال والصفات لكي تكون شاهدةً على معناها، سواء من كونها متنًا شعريًا حين تكون مع المفردة الأخرى، أو روحًا موسيقيةً داخل الجملة الشعرية الواحدة المرتبطة مع الجمل السابقة واللاحقة.. وثالثها: إن النصّ لا يعتمد على عملية التقطيع والتفاصل ما بين الاستهلال والنهاية أو البحث عن ضربةٍ شعريةٍ في نهاية النصّ، بقدر ما تعطي بناءها وحدةً واحدةً يتصّل بالعنوان وتنتهي بالقصد كمستوىً إدراكي لمعنى النصّ الشعري.. وهنا مثال نصّ ( ذكريات) حيث يمكن مشاهدة الجسد الواحد للنص.. (تذكرت وهي تهز ذكرياتها أنها تركت باب النسيان مفتوحا/تنحّت الأحرف جانبا/لتطلق صوت النحيب/فلا تسمع صداه/تذكرت عندما زرع قبلة بيديها/إنه أكد لها عودته/وأوصاها بالصلاة والدعاء/ولازالت هكذا/لكنه لم يعد../فقط ترك باب الحزن مفتوحا !!)









