حامد عبدالحسين حميدي
لا يمكن لنا أن نتحدث عن نصية الشعر دون أن نتطرق الى ماهية القصيدة بوصفها أنثى ، كونها تعدّ نسقاً متوالداً من جملة تداعيات تفرض نفسها في جوّ يدور في فضاءات مفتوحة .. الشاعرة ( أسماء الرومي ) في مجموعتها الشعرية ( ما لا يشبهني ) التي شكلت نوعاً من الذات المتفرّدة بغلوائها المتصاعدة ، حيث ترصّ كل انثيالاتها في تشابك وتشارك الخطابية الموزّعة بين أناها وأنتية الآخر وتأثرها بتصعيد طاقة الشحن الدالّ من خلال اطلاق ذلك البوح المتدفق بهمس الحلم والوجع الكامن فيها ، والخيبات التي لم تستطع أن تجد لها مخرجاً علّها تنقذ ما تبقى لها من صرير الذاكرة ، لكنها لم تكّ بعيدة جداً عن دوامة الحرب ومخلفاتها ومدى تشظياتها التي طبعت عليها صوراً لا يمكن محوها من تلكم الغيابات الموشومة باحتراق الانتظار .
اللغة الشعرية في ( ما لا يشبهني ) جاءت على وفق مسارات مفتوحة ، باسترسالية واضحة فلا تعقيد فيها ولا تكثيف إلا القليل جداً ، بل كل ما نجد فيها هو لغة قريبة للسرد المنبسط الذي ترك بصمته الجمالية في انعكاسات امرأة تطفو بتخيلات شفيفة ، كما نجد مقاربة مكشوفة في تداخل المضامين النصية وانعطافاتها فنياً فينا ، ..
وحده الحلم
يمتلك ذراعين
من ماء وسكر
وحدنا
أنا وأنت
نطفو فوق أصابعه الألف
محصنين بالغرق . ( ماء وسكر / 09 )
إن صياغة النص ، جاءت بناء على تشخيصية متفاعلة ، فالحلم لديه القدرة على مدّ ذراعيه ، المكونين من تركيبة تكاد تكون متجانسة ، ليدل من خلالهما على المقاربة الذاتية بين ( الأنا والأنت ) والولوج في عالم باطني حيث متماهيات الذات الحالمة التي تغرق في تحفيز المتخيل الذي ينبض بالقوّة المتناسبة طردياً .
دعيه يجيء كما يشاء
يمشط أوجاعك الكامنة
دعيه
بفطرته يحتويك
دعيه يغني
دعيه
دعيه . ( دعيه يجيء / 15 )
– هنا – تتضح لنا مكامن البوح المتراصّ في فكّ شيفرة النفس المتأزمة ، حيث الخطابية المستترة تدعو الشاعرة لإطلاق ما لديها من محفزات مكبوتة ، لتبدأ من خلال فعل الأمر ( دعيه ) الذي شكّل نقطة ارتكاز في ما بين ضمير الذات المستتر وبين ظاهريتها / بحوارية شفيفة كان لها الاثر في ترك الانطباعات المتجسّمة برؤى الأمل الضائع ، وعقدة الذكرى التي وقعت في الزمن المتلاشي ، لنجد الشاعرة ( الرومي ) تعقد علائقية متراخية من خلال الفعل ( دعيه ) ليمثل محور الدائرة :
دعيه _________ يجيء
دعيه _________ يمشط
دعيه _________ يحتويك
دعيه _________ يغني
دعيه ___________
دعيه ___________
لتتفرّع منه كلّ الافعال المتوالدة – بنمطية المقاربة – التي تقبل أن تكون محطات لرؤى مفتوحة دلالياً ، إنها تقنية التكرار الذي يمتد بمجسّات ، تمنحنا البعد البؤري المسطّح ، فتأثير التكرار كان يقع ضمن مسوغ التنفيس الشعري الضاغط في خلق تناغم متبرعم .. حيث الذات المعتملة باقتفاء الأثر .
لأن جدران قلبها من طين
لم تستسق يوما
حوّطته بالقصب
وعبّدت الطريق لله
أفزعها صوت النايات ذات فجر
أربكتها زقزقة العصافير
ورشات المطر
في الجهة اليسرى
من الأضلاع . ( مطر النايات / 18 )
علّ من يقرأ هذا النصّ يجد لوحة متداخلة ضمن ادراكية الشاعرة ذاتها ، حيث حاولت أن تلملم ما فيها من توأمة معالم مرسومة :
جدران ____ طين ____ القصب___ الطريق ( تشكيل ماديّ )
صوت ___ النايات ____ زقزقة العصافير ___ رشات المطر ( تشكيل حسيّ )
هذا الانسجام لم يأتِ اعتباطاً بل كان واقعاً تحت صيرورة التضخيم الشعوري الذي ينسجم مع طبيعة الحالة النفسية للشاعرة ذاتها ، هذه التداخلات تنتهي بمكانية ثابتة ( في الجهة اليسرى / من الأضلاع ) إلا وهو القلب ، إنه الصراع النفسي المحتدم والذي عبّرت عنه الشاعرة ( الرومي ) بمساحات غير محدّدة لتجعله متجاوزاً الحدّ الافتراضي له ، بدوران مطلق في لوحة تغصّ بما يفضي لنقطة المكانية المقصودة .
لم ارتشف سوى الغياب
قصياً كان منفاي
وها أنا ذي
على بعضي …
يدور بعضي كل يوم
أطحنني
فليس في لهاتي حبات قمح . ( مشكاة / 42 – 43 )
هذا المقطع يبدأ بجملة منفية والمتضمن القصر لفائدة التوكيد المجازي وينتهي بنفي آخر – أيضاً – ، وكأن الشاعرة مُصرّة على ذلك النفي الذي يقربها الى الغياب الذي يدور في فضاء الاقصاء والمنفى الاختياري ، لتعلن عن أناها في قبولية الدوران البعضي رغبة منها في الولوج في عالم الآخر ضمن معطيات التداخل الروحي الغاصّ بسرّ التكوين الارتعاشي .
ما زال العشب
منحنياً حيث ينامون
ما زالت قطع أجسادهم
عالقة بسعف النخيل
وحبل الغسيل
يؤرجح ملابسهم المدرسية
أما صرخاتهم المدويّة
فقد ذهبت مع الريح . ( من ذاكرة الطفولة / 49 )
إنها صورة متدفقة بحراكية الطفولة غير المشوشة ، الطفولة التي ترتكز في متداخلات الطبيعة الحالمة التي لم تبرح الذاكرة المثقوبة حيث ( العشب / سعف النخيل / الريح ) ، طبيعة تنبض بالحياة المتلازمة بنماء مناخات التقادم المتشابك مع ( حبل الغسيل / ملابسهم المدرسية / صرخاتهم المدوية ) والتي جاءت ضمن توافقية الامتداد الذاتي الضاجّ حيث هيّأ الفعل ( يؤرجح ) تصويراً تفاعلياً لما يمثله من تحريك حالة السكون والرتابة لينسجم بتداخل حراكية ( الريح ) كطاقة متبادلة في تحفيز النشاطات الخارجية .
******
– ما لا يشبهني / أسماء الرومي ، دار أمل للطباعة والنشر والتوزيع ، سوريا ، ط1 / 2017 .









