عادل عبد الله
دون ان نتعرف، من موضع قرب حميم، على حقيقة الوضع الثقافي العراقي، حقيقة بؤسه وفاقته، فلن يكون بوسعنا الشروع أبدا في أيما رحلة تقصد وتعقد العزم على اصلاحه. (التعرف) على أصول وينابيع الثقافة العراقية اذن، هو الشرط الاولي الوحيد لكل فعل ثقافي ينسب مسؤولية الإصلاح وواقعيتها لنفسه. فمن دون النزول الى قاعنا الثقافي ومعرفة مكونات تربته، فلن يكون بوسعنا لا العثور على سبب منطقي مقنع يفسر لنا انهيار بنياننا الثقافي وتداعي اركانه، ولا اقتراح علاج عملي ناجع ، يعيد التماسك المفترض لهيكله. لن تحظى المفاضلة في اختيار نقطة الشروع في حركة الإصلاح بأهمية كبيرة ولن يكون السؤال عن زمن الخراب بأجدى لنا من السؤال عن كيفيته واسبابه ، او حتى عن المساهمين فيه، ذلك لأن هذه المسالك تؤدي بالضرورة الى بعضها اذا ما تمت لنا معاينة (خرابنا الثقافي) بوصفه (هماً) ذاتيا وقضية تخص وجودنا الاجتماعي ووعينا وأسلوب حياتنا بل ومصيرنا الإنساني ايضاً، لان طبيعة الصراع الحالي بين القوى المختلفة – السياسي منها والطائفي والطبقي ايضا – ونوع أسلحة كل منهم هو ثقافي محض في جوهره . اذن فالمهم لدينا الان هو ان تصبح الثقافة (هماً) وان تحضر في ذواتنا (الآن) بهذه الصفة النفسية الأخلاقية الشاملة، لا بغيرها. ذلك لان حضورها فينا بهذه الصفة او حضورنا فيها بالصفة نفسها، سيبقي ذواتنا دائماً عن الحدود الدنيا لمكونات الثقافة، اي سيجعلنا في مواجهة دائمة مع العناصر الاولية المكونة لها باعتبارها بنيانا فوقياً – او بعبارة أخرى اننا سنجد أنفسنا في مواجهة البنى التحتية المختلفة التي تؤلف حقيقة الثقافة بوصفها (الكل الذي يتألف من قوالب التفكير والعمل في مجتمع معين)، وبوصفها ايضا،( تراكم الاختراعات والخبرات سواء أكانت تكنولوجية او إيديولوجية او اجتماعية) وبوصفها اخيرا،( نظاما من القيم والمعارف والمعتقدات والشرائع والاخلاق والاعراف والخبرات والعادات التي يكتسبها الفرد بحكم كونه عضواً في المجتمع الذي ينتمي اليه). ان التعامل مع الثقافة عند حدود مكوناتها الدنيا وعناصرها الاولية له شروطه وظروفه المعرفية وآثاره البالغة في انتاج نوع المثقفين من حيث محتوى ثقافتهم ونوع صلتهم بالمجتمع الذي يولدون فيه ومقدار تأثيرهم في إصلاح بناه وقيادته ثقافياً وسياسياً. ذلك لان هذا النوع (العملي) من التعامل مع البنى التحتانية الثقافية وهي تتجسد في ميدان القيم والاخلاق والدين والشرائع والاقتصاد والسياسة والمعارف سيجعلنا في مواجهة الانسان في نمط حضوره الواقعي في المجتمع، هذا الحضور الذي يعبر عن مأساة انساننا العراقي ووعيه، بطريقة اكثر بلاغة ووضوحاً من تعبير الكتب والمؤلفات ووسائل الاعلام عنه. ترى ألم يحن الوقت بعد لكي نفهم بان مشكلة الواقع الثقافي العراقي الان هي مشكلة اخلاقية ومعرفية في آن؟ اعني الم يحن الوقت بعد لكي نغادر أماكننا العالية المشغولة بالأدب واللغة والأساطير والفكر التجريدي، وكل ما يمثل جنتنا الثقافية التي تكفل لنا الرزق الحرام والسعادة الكاذبة من اجل النزول الى قاع الثقافة الموحش المظلم القاع الذي يمتلك الأدلة القاطعة ،لا على زيف ثقافتنا وبطلانها ومفارقتها لهذا الواقع الذي يفترض مسؤوليته عن إنتاجها، بل ويمتلك البراهين ايضاً، على مفارقتنا نحن المثقفين لهذا الواقع، بل وغربتنا عنه، حد امكان القول دونما حرج بانعدام الصلة بين نمط تفكيرنا ونوع ثقافتنا من جهة، وبين وعي وثقافة المجتمع الذي ننتمي اليه من جهة اخرى، كما تم لنا قبل حين استحضار مفهوم الثقافة وتعريفها.
انه قاع الثقافة الموحش و اصولها المهجورة المظلمة لأن أحدا منا لم يجرؤ يوما على تسليط نور عقله عليهما. على الرغم من كونه عالما مسكونا على الدوام بأبناء مجتمعنا وبتقاليدهم وعاداتهم وفنونهم وتاريخهم المشترك وبظلمهم وشكواهم التي لم تجد الى الان اذنا واعية تستوعب حالهم وتعبر عنه بلسانها الحر الفصيح.









