ثقافية

وحدة الوجود وأثرها في الرسم العراقي المعاصر

علاء أحمد  السامرائي 

 
يلقي كتاب (وحدة الوجود وأثرها في الرسم العراقي المعاصر) للباحثة لميعة جاسم محمد الجواري الضوء على تجربة (16) رساماً عراقياً اعتمد أسلوبهم على تطويع الحرف العربي بشكلٍ مجرد أو بشكلٍ حر في أعمالهم التي تناولت الموروث الديني والآيات القرآنية الكريمة.  وتؤكد الباحثة في كتابها الصادر عن وزارة الثقافة أن فلسفة وحدة الوجود في الفكر الإنساني أثرت وتعمقت كثيراً، خصوصاً في الفكر المنتج فناً وأدباً بأنواعه وأصنافه. لهذا وجد موضوع (وحدة الوجود) مكانه في اللوحة التشكيلية العراقية المعاصرة… إذ أشتغل أغلب الفنانين العراقيين والرسامين بشكلٍ خاص على استلهام الحرف العربي وأضافته إلى لوحاتهم وفق منظور ومفهوم فني جديد يحدد لكل فنان أسلوبه وهويته في ذلك. وأغلب تلك الحروفيات والكلمات التي أستخدمها الفنانون كانت في مواضيعها تخص الوجود والقيمة الفنية والجمالية والرؤية العميقة لوحدة الوجود وأبعادها. خلصت الباحثة من خلال الدراسة الدقيقة والمتفحصة لنماذج الأعمال الفنية إلى نتائج مهمة من بينها: 
أن الفنانين التشكيليين الذين أستلهموا لفظة الجلالة في لوحاتهم التشكيلية كانت كتاباتهم حرة أي (غير خطية مجودة)، كما يفعل الخطاطون المتخصصون الذين يعتمدون في مواضيعهم على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وعلم الحروفيات التي ارتبطت كلها بوحدة الوجود كما في تجربة الفنان والخطاط أياد الحسيني الذي اتسمت جميع أعماله الفنية الخطية والنحتية بقوة الحرف العربي وإمكانياته العالية جامعاً بين عالمين هما اللغة والخط وفق المفاهيم المعاصرة بأسلوبٍ هندسي وتصميمي. وقد أستخدم الفنانون في أعمالهم مختلف المواد الخام ليتجاوزا موقع العمل بوصفه سطحاً تقليدياً بينما أدت التقنيات في العمل دوراً فاعلاً ومثمراً من خلال تكريس البعدين الى أبعاد أخرى لكي يحتوي التقنيات بأسرها للفنان شاكر حسن آل سعيد، الذي أسهم تناوله للآيات القرآنية وربطها بوحدة الوجود من خلال الحرف مع الفلسفة الدينية في جعل أعماله أقرب إلى الصوفية والكونية. وقد شاركه في التأثر بهذه المدرسة الصوفية والفلسفة الإسلامية الفنان عزام البزاز بشكلٍ واضح في لوحاته. بينما لجأ كثير من الفنانين إلى الحروفيات ليستخدموها بتجارب حديثة مثل التجريد وإمكانية التعبير الفني باعتماد الرموز والأفكار لخدمة هدف وفكرة العمل الفني ومنهم الفنان فهمي القيسي. في حين نحا قسم آخر منهم إلى أستخدم الحرف ومزاوجته بالألوان الصريحة والألوان الزاهية مع السوادات لتتحول إلى فن تشكيلي كأنها لوحات كرافيكية متمثلة بتلك الحروفيات بمعاني تأويلية ومعاني شعرية قصدية كما في لوحة الفنان ضياء العزاوي.
أستخدم أغلب الفنانين الألوان الزيتية والمواد المختلفة والبنتلايت والأكريليك في مختلف الأساليب المدرسية سواءً المدرسة التعبيرية أو المدرسة التجريدية وغيرهما كما في أعمال الفنانة الرائدة مديحة عمر.
وبحسب الباحثة فقد كانت أغلب مواضيع الفنانين تتضمن التجريد الواقعي والتأويلي من خلال أسلوب الشناشيل العراقية والتراث العراقي، كما لجأ البعض منهم إلى استخدام الإنشاء التصويري التناظر والعشوائي، بينما ركز معظمهم على استخدام أسلوب المفردات النصف مقروءة ليتحول بعدها الحرف إلى شيء مشترك للمبهم مع التشكيل، واضعين كفاءة الشكل للحرف العربي من خلال التكوينات الخطية ذات المدلول العظيم لوحدة الوجود المرتبطة بلفظ الجلالة (الله) الواحد الأحد، مظهرين قدرة في الرسم ومهارة عالية وصياغة للمكونات من خلال تشكيليهم للبنية مع سيادة الجانب التقني معتمداً على التركيزات الأساسية للعمل الفني. بينما استخدم بعض الفنانين الفضاء الملون ووضعوه بوحدة الوجود من خلال الحروفيات. والبعض الآخر استخدم العلامة والإشارة الدالة علي شيء عراقي معين من التراث والرموز الدينية والحضارة العراقية الأصيلة، ووضع تكويناً عاطفياً من خلال توظيف القيمة العاطفية والروحية الموجودة في الآية والحرف والشعر. وهكذا يكون البحث قد استلهم بمعاني وجود (الله) سبحانه وتعالى من خلال الأعمال الفنية التشكيلية أو الخطية التي قدمها فنانون وخطاطون على مدى مسيرتهم الفنية أو تجاربهم الإبداعية عبر دراسة جميع الأعمال المنتقاة التي تناولت لفظة الجلالة أو البسملة أو أحد أسماء الله الحسنى أو الصفات الإلهية الموجودة في الآيات القرآنية. ونشير هنا إلى أن جميع الأعمال المنتقاة في متن البحث هي أعمال مرسومة يدوياً بالفرشاة والزيت أو المواد المختلفة الأخر أو بالحبر والقصبة وبمواد مختلفة مثل الكانفاس والخشب المعاكس والورق المقوى والجبس. أتسمت الألوان المستخدمة فيها بالتنوع اللوني في كل لوحة وفي كل تجربة فنان. كما تباينت صور الإنشاء التعبيري وفق المفاهيم الفكرية لكل فنان ولكل تجربة. لتترسخ أطر العلاقة التعبيرية بين مفهوم اللوحة مثل الوجود والعناصر الأخر التي كانت ضمن الرمزيات الكتابية واللونية.  وفي الوقت الذي أنشغل فيه أغلب الفنانين العراقيين على مدى حركتنا التشكلية بالتجارب الفنية المتعددة في الأسلوب أو بالاستلهام الفكري الشامل نجد أن بعضاً منهم وظفوا جمالية الحرف العربي في لوحاتهم مما جعلهم يحافظون ويؤسسون تجاربهم وفق هذا المنظور.  وتنتهي الباحثة في كتابها الذي يقع في 352 صفحة من القطع المتوسط إلى التأكيد على جملة أمور منها ضرورة استخدام لفظة الجلالة في العمل الفني من خلال أستخدام الحرف العربي لإظهار المعنى الجمالي والقيمة الجمالية والتعبيري للحرف العربي النابع من القيمة الحضارية لوادي الرافدين واللغات الحروفية التي تضمنته تلك الحضارة العريقة. مع ضمان أن تغطي اللوحة الفنية القواعد التي يتضمنها حرفنا العربي لكونه لغة القرآن. ووفق ذلك كله لابد من إبراز التجديد الفكري لمفهوم الوجود في أعمالنا الفنية عموماً من خلال طبع ونشر الأعمال الفنية في هذا الموضوع، بالتركيز على إقامة معارض متخصصة ودراسة جادة ومعمقة في جميع الأعمال التي قدمت وستقدم لاحقاً ووضع منهج لغرض تفعيل دور اللوحة الفنية الحروفية وإدخاله في كل الأساليب الفنية. وأخيراً طباعة كتيب له علاقة بهذا الموضوع.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان