استطلاع وتحقيق/ الحقيقة
( الجزء الأخير )
…لكن الادباء الاسبان عدا لوركا حاولوا بشيء من تحقيق الهوية الاوروبية الخالصة ان يرسموا لادبهم شكلا اسبانيا صرفا مثلته طموحات خوان رامون خيمنيث ورفائيل البرتي وساليناس واليخاندروا بثينته وغيرهم، رغم ان معظم هؤلاء الادباء كانوا يشتغلون في الضد من التوجهات الايديولوجية التي كان فرانكو يشتغل عليها، حد الذي اختار اغلبهم المنفى مثل انتونيو ماتشادو والبرتي. فيما اثر الكسندر بثينته العزلة والصمت. اما خارج الحدود الاقليمية لاسبانيا فقد احدثت هذه اللغة التي امتازت بثقافتها الثرة احدثت طفرة وعي ثقافي لا مثيل لها عندما اظهرت للعالم شكلا جديدا للادب على صعيد الرواية والشعر وعد الامر كظاهرة حضارية ينبغي النظر اليها باحترام وهو ادب اميركا اللاتينية الذي تمثل في الاعمال الرائعة لبورخس وماركيز وبابلو نيرودا وسواهم من كتاب اميركا اللاتينية التي مثلها نيرودا بقوله: نحن نتاج الروح الاسبانية. وقبله لوركا قال: نحن نتاج الروح العربية. وهذا يعيدنا الى وعي فكرة عند شعراء التوربادو اولئك الجوالون الذين تأثروا بالاناشيد العربية وما تلاه ابن حزم في طوق الحمامة. اليوم المملكة من دون فرانكو. لكنها مملكة لرئيس الوزراء وليس الملك. غير ان المؤسسة الثقافية الاسبانية تحاول عبر معهد سيبرفانكس وغيره من الصروح الفكرية والثقافية ان تديم شيئا من ذلك الوصل القديم وكان من المفترض ان تكون الثقافة الاسبانية الاقرب الى ذاكرة المثقف العربي لكن العكس هو الصحيح حيث تأتي الثقافة الفرنسية والانكليزية والالمانية في مراتب متقدمة قبل الاسبانية وهذا يعود الى التفكير الفرانكوي في صناعة طوق من حديد حول كل شيء رغم اننا نحس بأن القصيدة الاسبانية مثلا تقترب من الذات العربية اكثر من القصيدة الجرمانية التي يكتبها بودلير ورينيه شار وهولدرن واليوت. لكن الاسبان في ادبهم حاولوا تحصين انفسهم برؤى كهنوتية صرفة لكن عالمها الرومانسي بدا واضحا في تعرضه لاسقاطات تلك الروح التي تركها عبد الله وغادر مع صرة ملابسه. يقول الشاعر السوري نزار قباني وقد خدم دبلوماسيا في اسبانيا: (كنت استعيد نفسي في قصر الحمراء وابتسم واتساءل: هل كنا هنا بدمنا ولحمنا العربي؟ وحين يجيبك الطلل: نعم. اعود وابكي). هذا يشعرنا بضرورة ان يكون الهاجس الاسباني قريبا منا اكثر من قصائد ارثر رامبو، ففي الادب الاسباني روائع تستطيع ان تغذي رغبة التلاقح عند المثقف العربي. وحين سألت مرة في المربد احد المثقفين المغاربة: لماذا تقتربون كثيرا من ادب ماري انطوانيت وتبتعدون عن ادب سيرفانتس. رغم انه الاقرب اليكم؟ قال: هم يبتعدون. ثم ان فرنسا منحتنا الاستقلال منذ اكثر من اربعين عاما لازالت اسبانيا تستعمر ارضا مغاربية هي سبته ومليلة. اذن دائما هناك سياسة وهي التي تحاول ان تسيطر على الفعل الابداعي الحضاري والفكر في ذاكرة موظفي الخارجية الاسبانية ومادموا هكذا سيظلون بعيدين عن العرب رغم القاسم التاريخي المشترك منذ العبور الاسطوري لطارق بن زياد وحتى هذا الحاضر الذي قرر فيه الاسبان المشاركة في القوة المتحالفة في العراق. ولكن جنودها جاءوا مع بنادقهم فقط. ولم يكن مع اي واحد منهم ديوان شعر للوركا مثلا ولسان حالهم يعيد ابياتا من قصيدة الشاعر الاندلسي محمد بن عباد يوم سقطت مدينة مالقا وغادرها العرب الى الابد والقائلة:
سكن فؤاك لاتذهب بك الفكـر
ماذا يعيد عليك البث والحذر
فان يكن قدر قد عاف عن وطر
فـلا مرد لما يأتـي به القـدر
وان تكن خيبة في الدهر واحـدة
فكم غزوت في اشياعك الظفر









