نعيم عبد مهلهل
( الجزء الثاني)
يرسي الشعر أنماطا من التخيل تتعدد ألوانها وأغراضها ولكنها في النهاية تقع ضمن دائرة الشعاع الإلهامي للخيال البشري ومن خلاله نقدر على استحضار لحظة الغياب والتمتع بما تملك من جمال في بريق المعنى وموسيقى الكلمة وفي هذا المدار المتخيل نضع أنشودة المطر لبدر شاكر السياب أنموذجا، فهي واحدة من بواكير الحداثة الشعرية العربية المتميزة والمليئة بشحنة العاطفة الجديدة وربما هي بهاجسها الوجودي مثلت واحدة من مقتربات صحوة الحداثة لما حفلت القصيدة بشكلها الجمالي وموسيقاها العميقة وروحها التي رسمت في مأساتها الصورة المستعادة للحزن الإغريقي أو دمعة أيوب وحزنه الأسطوري. فليس للشعر وطن رغم أنه أكثر بقعة في الكون تحتوي على خرائط لتضاريس لا تحصى ورغم هذا تشعر أن كائنا كالشعر ربما آتى في لحظة بدء كوني من كوكب أخر ليسكن الأرض ويرينا شجن أن يرتقي المرء بوجوده إلى مكان آخر غير هذا المكان المحصور بين قطبين. يأتي الشعر عندما نصاب بأستباق ما لحقيقة أن نكون تحت تأثير خد مشفرة الرغبة للتلاوة وليس القول وتراهم (أي الشعراء) ينساقون لنمط معين من شعور لا يتجانس مع الرابط الحياتي، أي انهم يهيمون بفضاءات تتحرر فيها احساسات الواقع لتبدو شيئا أخر فيه من الهلوسة والارتقاء بالمكان والكلمة الشيء الكثير، انهم يتلون الموسيقى من الأفئدة فيما يتلو الموسيقيون الموسيقى من آلات متعددة ولهذا كانت روح الشعر تبدو مثل هيجان الجسد حين تتحرر من ذاكرة اللحظة لتنصب كلمات وبحور على الورق ومتى تنتهي مودة التواصل بين الرغبة البعيدة واللحظة الأرضية تنتهي القصيدة إلى خاتمة قد يدخل عليها فيما بعد تصحيح وتعديل وحذف وإضافة لكن لحظة التوهج والخلق الحقيقي مرت ولن تعودفأفكر ببوذا..وبوذا يفكر بي. وما بيني وبينه كالذي بين صفاء النبع والمشاعر الغامضة. أنه يفكر بكونية الشعر وأنا أفكر بكينونة الرغيف والرصاصة وما بيننا يبدأ بسؤال أجابته تبدأ:كن معه وتعلم من حركة أجفانه)وما بعد ذلك فلكل مسار محطة يتكأ عليها بعد رحلة التعب، ورحلتي مشتغلة بهيام اللحظة ومستعيرة شغاف فم الأنثى وساعية لتكوين إمضاءات الوصل على جسد الجملة، فما يقوله الصامت يردده ألف لسان.)، تلك رؤية بوذا للعالم مستنارة بالإشارة ومستندة إلى أزل من ميتافيزيقيا الميكانيك ما يدور يتحول في الأخر إلى موج بحور.وأقف عند تلك الرؤية، أتخيل فيها ما يمكن أن يحل بنا لو أن الأرض لم تحوي الفلاسفة والقديسين والأنبياء. سنكون يبابا، يشتبك فينا هوس المنجنيق وفوهات المدافع فيما لا يدخل الشعر موائد الصفاء ولحظة السكر أو انطلاق ما في الذات من الشجن اللوعة إلى رمش يتغازل مكرا مع حزمة ضوء تحت شفتي أمراه جميلة. ومودة شعر لا تمل حتى بإنجاب الأنبياء مادام القول الكريم يقول (أن من البيان لسحرا).وعلى أديم الكلمة المشعة كيراعة تتحرك رغبة القول في إنسانيتنا ونحاول أن نجد مدركا لما نقوله فنلوذ بالصفاء الذي يمتلكه الأخر ومنهم العزيز بوذا. والبوذية أحد غنوصيات العالم القائمة على تجريد الذات من كل محفزات وأشكال دنيويتها، إنها التعالي والذهاب إلى عالم لاذرة تراب فيه تجبرك على مسح العوالق ولاصدى كلمة مشوشة تحتاج إلى تفسير.





