ثقافية

" خريــف "

ريم سعد مجيد

 

      ركبتْ الحافلة، وجلست بالقرب منها امرأةٌ عجوز..اخذتا بالتحدث مع بعض كي ينسيا الوقت ويغيضا اشعة الشمس التي تلفح على رؤوس الجميع إلا سائق الحافلة!! 

   بدأت العجوز بتذكر أيام صباها وكيف تعرفت على زوجها. وفاطمة تصغي باهتمام، فأمور الحب هي من تجذب انتباه الفتيات… 

 كان وسيما، ودودا جدا ،تفيض عيناه حبًا، مشاغبا،صلبا لكنه يصبح سائلا كالماء عندما يراني، شجاع،  ومجنون.. تعرفتُ عليه في احد محال البقالة في المدينة. تخاصمنا على اخر كيلو غرام من الإجاص، كلانا لم نشأ التنازل لبعض، صرخت عليه واردت أن يكون هذا الكيلو من نصيبي لكنه لم يكن لبِقا ،بل فَضا جدا… اشتد الخصام بيننا الى أن تدخل صاحب المحل وقام بطردنا.

  هل انتِ معي يافاطمة ؟ 

 _نعم ، نعم ياخالة. اكملي تبدو قصتكما مشوقة.

 

 نعم فلأكمل، خرجنا ونحن نصب الشتائم على صاحب المحل.. سِرنا سويا ونحن في حالة ضحك هستيرية. اعتذرت منه على مابدر مني ، وقابلني بالاعتذار ايضا.. اصبحنا مذ ذلك اليوم نجتمع كثيرا كل يوم لكن ليس عند محل البقالة. بل عند محل بيع الاشياء القديمة… الى أن جاء اليوم الذي اعترف لي بحبه، وكنت ابادله نفس المشاعر ..اتفقنا أن يتقدم لطلب يدي من والدي ، لكنه جوبه بالرفض فهربت معه الى اقصى الارض كي نتزوج؛ بعدما رفضته عائلتي لأني البنت الغنية وهو الفقير ، كذلك فهو يكبرني بعشرِ سنين.. كنت خائفة في البداية، خوفٌ تملكني من كل شيء حولي، خوف من القدر ، الحياة، ابي وحتى اخي الاصغر. كنت طفلة في السابعة عشرة من عمري كيف لي أن اواجه كل هذه الحياة ؟

عندما اتذكر الان  يزداد غروري وفخري بنفسي لأني هربت معه. لم تستطع أية قوة على الارض منعنا من لمِ شملنا،  أسسنا عُشنا الصغير،تزوجنا في قرية نائية عن مدينتي حيث لا شخص يعرفنا . انعزلنا عن العالم حولنا، ولم أكن اعلم شيئا عن عائلتي، لم اشتق لهم يوما؛ فقد أفاض عليَّ بالدلال  ماانساني وجودهم ، وعوض عليَّ حرماني من حبهم.. بدأ يزاول شتى الاعمال الى أن استوت ساقانا واستطعنا أن نثبت اقدامنا على الارض… ابتاع لنا منزلا صغيرا وجميلا رغم كثرة التصدعات في جدرانه لكنه بدا لي كقصر…

 بعد سنينٍ رُزقنا بطفلتنا الاولى، اسميناها”قَدَر”

 ربما غريب اسمها لكن فعلا كانت قدرنا… 

  _الآن ياابنتي أود أن اسألك هل أنت متزوجة؟ 

 _كلا ياخالة، مازلت ابحث عن فتى احلامي.

  _حسنٌ إذن، إن قررتي أن تحبي ياابنتي فأحِبي مَنْ هو بمثل صفات زوجي المرحوم. وإن لم تجدي فالجلوس في بيت والدك افضل لكِ.  استمعي الى وصيتي فأنا قد تجاوزت الخمسين فخبرت الحياة بكل ميادينها وكما يقال:” إسأل مجربا ولاتسأل حكيما”. 

    تذكرتْ فاطمة كلام هذه المُسنة في كل مرة تُدق بابها طلبا للزواج ونفذتها بحذافيرها كطفلة تخشى من عصا معلمتها… 

 وبالفعل بقيت وحيدة بعد ممات والديها وانصراف اخوتها كلٌ مهتم بعائلته فقط.. نُسيتْ فاطمة في ذاك البيت الموحش … 

 ولم تعي حقيقة الامر إلا بعد أن اُذيع خبر وفاة تلك المرأة .. فقد تبين أنها مجنونة ولم تتزوج ابدا !! 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان