ثقافية

تحيا السماوة … وفتاها يحيى

 أمين قاسم الموسوي

 

(شجن مِن حجر) قصيدة للشاعر يحيى السماوي ، يقول عنها الدكتور عبد الرضا علي في كتابه (قيثارة أورفيوس ) : ” هذه واحدة من قصائد الأعالي في منجز القصيدة المدورة” ، ولعله قصد بـ (الأعالي) أنها قمة من قمم القصائد المدورة التي اشتهر بها الشاعر العراقي الكبير حسب الشيخ جعفر، وهي القصيدة التي تتصل جملها مشدودة ببعضها ، بلا توقف حتى نهاية القصيدة باكتمال قوس الدائرة ، وقد عدت نازك الملائكة ، هذه الظاهرة عيباً وسمتها التدفقيه ، فهي تقول في الطبعة الثانية من كتابها ( قضايا الشعر المعاصر) في الصفحة التاسعة والعشرين : ” كأن المرء حين يقرأ شعرهم ، يجري في معترك لاهث لا راحة فيه” ، ويبدو أن الشاعر السماوي أراد أن يعطي للمتلقي قارئا أو مستمعاً فرصة التقاط الأنفاس ، لذلك قسمها مقاطع من الممكن أن يقف المتلقي عند نهاية كل مقطع من مقاطعها الخمسة عشر ، حسب تحديد الدكتور عبد الرضا علي ، معتمداً اللام الساكنة في تفعيلة ( متفاعلان) نهاية مقطع ، ومن الممكن أن نختزل المقاطع الى خمسة ، نظراً لتلاحم المعاني وانشدادها لبعضها بالواو العاطفة بغض النظر عن قافية اللام ، مما يجعل القصيدة اكثر انسجاماً مع طبيعة القصيد المدورة . فالمقطع الاول :

“دقتْ على شباك ذاكرتي حمامتُها

وألقتْ بالهديل عليّ

قالت : انت مدعو مساء الحزن ، لتشهد عرسَ موتك

باسم زهر اللوز في وادي التبتلِ

فاصطحبْ كفناً وتابوتاً من السعف الجديد

وصحنَ طين من بساتين السماوة أو تراب حقولها

لترشَّه مسكاً وكافوراً على جثمانك الحيَ القتيلْ”

هو مقطع فيه غموض من أول سطر ، فالضمير في ( حمامتها) غير محدد العائدية ، أهي الحبيبة أم القصيدة أم الذاكرة أم مدينة الشاعر (السماوة) التي غادرها مكرهاً حيث الغربة والاغتراب ؟ وثمة غموض اخر في قوله : ” أمسكَ الآتي ، عرس موتك ، الحيَ القتيل” ، فالجمع بين هذه الثنائيات المتناقضة ، لا يستقيم في المنطق الواقعي، وبما أن هذا الذي نطالعه شعر ، فإن التناقض يمنح القصيدة غموضاً يكسبها عمقاً وجمالاً ، بما يوحي به هذا الربط الرمزي بين المتناقضات التي تحرك أمواجاً من التأويلات تخلق اللذة والتفاعل عند المتلقي.

المقطع الثاني :

“وتقول مولاتي الملاك السومرية :

انني هيأتُ غُسلاً من زفيري،

واحتطبتُ لحفل موتك حزمة من شوك بادية السماوة

كل شيء جاهز حتى النعاة وقارئ القرآنِ

والشاي المهيّل ، والشراب الزنجبيلْ

لم يبق إلا مشهد الدفن الجليلْ

فاسرعْ ليكتمل ابتهاج التائقينَ

لعودة ابن الغربتين الى الجذور،

وطي خيمته ، ووضع نهاية السفر الطويلْ”

مولاته عراقية ، سومرية ، جذورها ضاربة في العمق الحضاريّ لمدينة الشاعر وأساطيرها ولكنه لا يوغل في اساطير سومر وآلهتها ، فيثقل على قارئه ، وانما جعل ذلك الملاك السومري يستعد لينهي مأساة الشاعر ، باغترابه وغربته ، وخوفه الذي يقض مضاجعه وخوفه من موته بعيداً عن مدينته ، فهو في قرارته يريد الموت بين أهله ، لتطمئن روحه بتلك التقاليد التي يقيمها أهله ، من قراءة القرآن ، والشاي المهيل ، يريد ذلك لتطمئن روحه ، وترتاح من أوجاع الغربة والاغتراب .

المقطع الثالث :

“قولي لها ان المدائن غادرت أبناءَها

وأنا أضعتُ الى مرافئها السبيلْ

وأنا بدون يدينِ

كيف اذن سأفتح قفل باب المستحيلْ ؟

الماء من حجرٍ ، ومشحوفي من القصب العليلْ

أيجوز دفني مرة أخرى ؟

فإني مت منذ ترجلت عن مسمع الأغصانِ حنجرة الهديلْ”

جاء هذا المقطع ليؤكد ذلك الرعب المدمر الذي سيطر على الشاعر بخوفه من الموت غريباً بعيداً عن أهله ، وكأنه يصرخ لتسمع صراخه تلك السومرية ، عسى أن تحقق دفنه في مدينته ، وهو ينتقل الى التمني بدلاً من الرجاء ، تعبيراً عن يأسه من فتح قفل المستحيل ، حتى صار الماء حجراً ، وهذه صورة في أعلى درجات الشعرية ويرتقي القمة الشعرية ، باكمالها بزورقه القصبي العليل، إذْ ( كيف الرجاء من الخطوب تخلصاً ) ، بزورق قصبي عليل، يبتغي السير في ماءٍ من حجر .

المقطع الرابع :

“قولي لها :

مني السلام على الملاك السومرية والفراتِ

على السماوة كلها – إلا الذي خان الأمانةَ-

والسلام على السلام

وسيد الشجر النخيلْ

وعلى التراب السومريّ

أذلَّه المتناطحون على البقية

في حقول اليوم من زادٍ قليلْ “

يبدو أن الملاك السومرية هي التي تزيل الغموض عن الضمير في المقطع الأول في (حمامتها) ، فهي السماوة ، هذا المكان الذي تجلى بصور مختلفة ، فالفرات جزء من السماوة ، وما قيمته لو لم يمر بالسماوة ، فالشاعر يعكس الفكرة ، لأن الفرات هو مصدر الحياة للسماوة ولغيرها ، ولكن للسماوة خصوصيتها في ذاكرة الشاعر ، فهي مبعث الهامه وهيامه ، وهي سيدة قصيدته هذه ، وهل يمتلك الشاعر إلا أن يظهر ذوبانه بهذا المكان ، وما فيه من نخيل أو تراب ، ويرسل السلام لكل ما في هذا المكان الذي في قلب الشاعر رعب مما يدور فيه ، من حروب واحتراب بين المتناطحين على خيراته ، وهؤلاء هم الذين يستثنيهم من سلامه ، فهم خونة ، والخيانة الوطنية – قديماً وحديثاً- لا يمكن أن تغتفر ، ولا ولن يغفر التاريخ والشعب والحق للخائنين خيانتهم .

المقطع الخامس :

“هل ما تزال السومرية تنسج الأزهار فستاناً

وتفرش روضها لفراشتي ؟

وندى زهور اللوز تجمعه لتطفئ بي

لظى جمر الغليلْ

وتمد حبلاً من ضفائرها “ليوسفها” الذي

ألقى به في بئرها عشق خرافي

تماهى فيه محراث وتنورٌ

وضلّيل وناسكة …

وصبح والأصيلْ

ما السندباد بغير أخطار البحار ؟

ومَن ( بثينة ) في قواميس الصبابة والهوى

لولا جميلْ؟

لابدّ لي من صخرة ، لأكون سيزيفَ الجديد …

وليس من بحر وأشرعة ، فأبتدئ الرحيلْ

قولي لها أن لا بديل عن العراق سوى العراقِ،

عن السماوة والفرات سوى السماوة والفراتِ

وعنك ليس سواك عندي بديلْ”

يختتم السماوي قصيدته باستفهام بالحرف ( هل ) ، عاطفا عليه اكثر من جملة فعلية ، فعلها مضارع يَشي بحركية تلك الأسئلة ، وامتدادها في زمن الحاضر والمستقبل ، بصياغات ذات غنائية عالية ، رومانسية النزعة ، بأنهارها وروضها وفراشها وزهر لوزها ، لكنها رومانسية تستمد جذورها من ادوات الواقع بمحراثه وتنوره ، ثم تصبح تلك الرومانسية ثورية بمخاطرات السندباد ، فيحدث التغيير والانتقال بتغيير اداة الاستفهام ، الحرف (هل) الى اسم الاستفهام (ما) ، وهو تغيير يناسب الانتقال من رومانسية حالمة الى رومانسية ثورية فاعلة ، لضعف الحرف وقوة الاسم ، فما قيمة الحلم إذا لم يكن راسماً الواقع المطموح فيه ؟ وما قيمة بثينة لولا أشعار جميل ؟ والشاعر هنا يؤكد العلاقة الجدلية بين قطبين ، اذ لا قيمة لأحدهما دون الآخر ، ولذلك يؤكد حاجته لصخرة حتى يكون ( سيزيف) وطنه الذي لا يرى سواه بديلاً مهما طال تكرار فعله مع تلك الصخرة التي شُدّ اليها ، كما شًدّت اليه ، وبذلك الانشداد تحيا السماوة خالدة في عقل وقلب فتاها ( يحيى) .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان