في عام 1970 اصطحبني والدي رحمه الله الى مدرسة المحمدية الابتدائية وكانت عبارة عن بيت مستاجر في منطقتنا ، لكنه بيت ليس عاديا ، فالله وحده يعلم ، كم خرّج من كفاءات العراق العلمية والمهنية فضلا عن التربوية والوطنية . كلما اتذكره من تلك الايام الاولى ، اني كنت البس دشداشة بازة باول ظهوري في المدرسة للتسجيل .. اذ كانت زي الفقراء ولبسهم بالوانها واشكالها المتعددة ، بجامة او دشداشة او قميص واشياء اخرى .. وقد طلبوا من ابي نصف دينار رسم التسجيل وقد امتنع عن الدفع ، تحت حجة عدم امتلاكه المبلغ الكبير انذاك. فيما كان ابي يتباكى محاولا التخلص من الدفع ، انبرى احد المعلمين يهمس باذن المعاون : ( انهم فقراء ولا ينبغي ان يحرم هذا الطفل من التعليم تحت عنوان الرسم ، لذا اقبله في المدرسة وساتكفل الدفع عند استلام راتبي ) .. ذلك المعلم لا اتذكر اسمه ولا شكله ، لم يكن يمثل نفسه ، بقدر ما هو نتاج بيئة ومجتمع ، حمل من المثل والاخلاق والتضحية وتحمل المسؤولية ما يجعله جديرا لاتمان فلذات الناس عنده.
اول يوم ، اخذونا الى اصطفاف الساحة والقى المدير كلمة عن اهمية الجيل المتعلم والدراسة في مستقبل الفرد والمجتمع ، مع اني لم ادرك اغلب تلك المعاني ، لكنها ظلت لامعة راسخة في ذهني ، وعقلي الباطن حتى اخذت تهديني بلا هوادة الى جادة ، اشكر الله جل وعلى واثني واترحم على اولئك البناة الاوئل والقادة الميدانيين حقا .. حفظهم ورحمهم واحسن اليهم .
في الصف الاول وفي اليوم الاول والدرس الاول ، دخل علينا رجل قصير القامة يحمل كارزما الرجولة والقيادة ، منحنا الاحساس بالدفء والابوة من اول ابتسامة ، ملأت شدقيه واتسعت مع حدقاته لتضمنا جميعا ، ثم وزع علينا حلوى من كيس صغير كان يحمله واخذ يحكي لنا قصصا ويسالنا عن هواياتنا واسمائنا وامنياتنا ومواهبنا ، حيث غنى البعض وصفق اخرون ونكتوا حتى ضحكنا وضحكنا دون ان يتكلم بالدراسة او يتطرق لها اطلاقا .. عرف نفسه انه ( المعلم صدام ) ، لم انس قوله الذي ختم به الحصة الاولى في حياة جيل ليته يتكرر ، حيث قال : ( من الان فصاعدا انا معلمكم ومربيكم ووالدكم ).
في الحصة الثانية تناول الطباشير وبدا يعلمنا الحروف ، اذ كان يستخدم اصوات الطيور وبعض الحيوانات الالفية والماء والهواء .. غير ذلك من عناوين مجتمعية بيئية دالة ، ترسخت في الاعماق لم تمح الى اليوم . بلا مبالغة تسعين بالمائة من طلبة صفنا كانوا متميزين ، لم يرسب الا واحد من اربعين ، اكملوا الصف الاول وهم يجيدون القراة والكتابة ، وقد تخرجنا من الابتدائية ثم المتوسطة والاعدادية والجامعات والمعاهد…
لم اره منذ اكثر من خمسة واربعين عام ، اذ اختص استاذ صدام بتعليم الصف الاول انذاك ، كامتياز علمي وتربوي لا يعطى الا لمن هم اهل لذلك الائتمان والمسؤولية . قبل ايام لحظت رجلا كبيرا ،ركزت عليه واعدت ذاكرتي ، حتى ظهر في العقل الباطن ، انه استاذ صدام بعينه ، سلمت عليه وكنت انوي ان اقبل يديه وراسه واحتضنه وابكي ، على فقد امي وابي وما ضاع من عمري ووطني ومجتمعي وارثي وحاضري ومستقبلي … حتى كفكف دموعي بذات الابتسامة التي طل بها علينا قبل اكثر من اربعة عقود .. فقلت له ساكتب عنك شيئا ، فقال : ( انا صدام سعيد من مدينة العمارة ، ولدت في نينوى عام 1936 ، كان والدي عسكريا هناك ، ثم انتقلنا الى كركوك معه ، تعلمت بالملاية ثلاث سنوات ثم دخلت ( مدرسة غازي الابتدائية في كركوك ). وتخرجت من الاعداية عام 1959 ، فدخلت دورة تربوية مدة سنة ، تعينت بعدها معلما ، في مدرسة ( حلاوة القرية بالحويجة ) التي كان ماؤها من البئر . عملت بها اربع سنوات ، ثم انتقلت الى بغداد بمدرسة المحمدية في مدينة الحرية التي تقاعدت فيها وما زلت اسكن ورزقت الكثير من الاولد والبنات كبروا وخدموا بلدهم كل باختصاصه ، واعيش ايامي الاخيرة انتظر رحمة الرب ، بعد ان اديت الامانة لوطني واسرتي واخذ الكبر والمرض مني ماخذا .. ثم سالته عن امنيته وحكمته الاخيرة .. قال : ( اسال الله ان يمن على شعبنا الطيب بالخير والامن والرقي .. وان تتاح للاجيال فرصة تعليم افضل ، تليق بتاريخ وامكانات العراق ، لاني اراى فارقا حضاريا كبيرا ما بين جيلنا ومن لحقنا والله ولي الامر ).





