ثقافية

خيرة خلف الله في قصائدها العمودية: عندما تتوحد الذات مع الأشياء في نسق جمالي عجيب

أحمد مكاوي

 

     العودة لكتابة القصيدة العمودية بعد قطع شوط كبير زمنيا في الكتابة النثرية ليس أمرا هينا  ولا مسألة عابرة في مسيرة التطور الفني في التجربة الشعرية لأي شاعر،  لأن المتعارف عليه والمكرس في الغالب أن الانطلاقة تكون بقصيدة البيت فالتفعيلة فالنثر. فإذا وصلنا إلى هذه المرحلة  يستقر الشاعر عندها منوعا باحثا عن الجديد والتجديد ضمن هذا القالب الشعري.

   وخيرة خلف الله من الشاعرات القلائل التي تمكنت من ناصية قصيدة البيت وهي التي تمرست في الكتابة النثرية، بعد ممارسة طويلة بشكل ملفت كما هو متعارف عليه في  (الكتابة النسوية) ووضعتها هنا بين قوسين لأني لا أعتقد  بتجنيس الكتابة بهذا الشكل بقطعية حادة خاصة فنيا .

   خيرة تعود لقصيدة البيت لكن بجمالية طاغية وتمكن يندر عند بنات جنسها باعتبار أنّ أغلبهن يبدأن بهذا الشكل(النثري) و ينهين تجربتهم الشعرية فيه.

   تشكل الذات محور قصائد خيرة رغم تنوع (موضوعاتها) ومحاولتها التملص منها من خلال التعلق بالأشياء من حولها أماكن (مدن)وكائنات طبيعية(النخلة مثلا) لكن القارئ لا يجد في كل هذه الأشياء ذاتا منفصلة عن ذات الشاعرة ولا بعيدة عن عوالمها الداخلية أي يغيب الوصف الآلي والمعتمد على البصر لتصبح البصيرة المنفتحة على الأشياء المتوحدة فيها هي الحاضرة بقوة في نصوصها  كما نلمس في نص (شوق) حين تقول:

“ومرّ من  بابها  الصّادون  ما غرفوا

ما بالهم،  بلظى الأشواق هل شرقِوا؟

والشوق أمضى ندوبا لو ترى المقل

في  كل  خطو   مداد   العين  ينفلق

هي السراب ،  فتنأى  كلما    اقتربوا

كقطرة  في جوى  الصحراء  تحترق

وهي الدّلاء  تقي العشاق  من  صهد

إن  ناح  رمش  لديها  الغيم   يندلق

و هي  التي  كسيول  النهر    دافعة

بمائها  اغتسلوا   إن   مسّهم    رَهَق

لـــِــكلّ   قلب   من   الأشواق  عدّته

وقلبها  لـــــــهدير   الشّوق   يسترق

لكنهم   لأنين   الماء   ما      فطنوا

تاه  الجميع  و  في  أوجاعهم  غرقِوا.”

    هذا النص على صغره بيان شاف لما أقول في توحد ذات الشاعرة بذات المكان حتى كأننا هنا نقرأ وجدان الشاعرة لا المدينة التي استقبلتهم .. وزاد الجمال هنا انسيابية البسيط وروي القاف الذي يحيل على قصائد العشاق التي نسجت على تفاعيله ورويه. وهنا نحس بتفرد خيرة في صورها وفي معانيها وقدرتها على تصوير المشاعر فلا تجد في النص نبوءة ولا انحدارا.. هنا كل لفظة في مكانها تكاد تنطق جمالا  و لك أن تقف طويلا هنا :

” لـــِــكلّ   قلب   من   الأشواق  عدّته

وقلبها  لـــــــهدير   الشّوق   يسترق”

وهو نص يسيل عذوبة وينساب جمالا

   ما يميز خيرة هي محاولتها أن تكون هي ،لا تبحث عمن تكون في إهابه ولا أن تنسج على منواله، شاعرة تقول أنا رغم أن هذا الشعر لا يخرج إلا ممن كابد الاطلاع وعرف كيف يتعامل مع النصوص الشعرية الراقية قراءة وفهما وتذوقا .

تقول من  نص ( بلقيس):

“……

بلقيس لا تدري ترى هل سافرت

بعطور سمرتها   لدى    الأحباب؟

أم  أنّ   روحا   سافرت في ركبها

تشفي  العليل   و   حيرة َ  المرتاب

في الرّفّ عود بخور “موشا” عابق

يحمي “سمهرم” من أذى  الأوصاب

و  العشق   في   سفر  النبوة  حكمة

قد   عطّرت   آيــــــــــــــاتُه محرابي”

    النص  طويل يؤشر إلى طول نفس الشاعرة ما يدل على تمكن واقتدار في التعامل مع هذا الشكل، كما أن اتكاءه على أسطورة  مرور بلقيس ملكة سبأ بأماكن معينة  والانطلاق منها لتتوحد ذات الشاعرة بها ليأخذ من ذاتها جماله ويتحول في النص إلى مصدر  للمتعة الفنية. والمكان هنا هو مصدر للماء العذب الرقراق، و  كذلك مكان اللقاء بين النبي والملكة بلقيس حسب الأسطورة وهذا ما يعطي للقصيدة القصصية بعدا فنيا مفتوحا على جملة من القراءات. 

    إن ذات خيرة متوحدة في كل مكان أو شيء تكتب عنه في شكل لا ينفصم فهي تتحدث عنه فيه لا من خارجه وتضفي من روحها الجميلة جمالا فيه لا نراه إلا من خلالها ففي نص (روح) تقول:

“الروح في برجها  العاجيّ  نائمة  

شطّارها أوعزوا  للقفل  ما انصهرا  

في كلّ شبر  تجد أفنان  رونقها 

كم عتّق المرج من أهدابها السّمرا 

وكم أضاءت نجوم الليل سمرتها 

فاشتاق للظل مرسوما لها  سفرا 

تنام في قصرها المسحور مسدلة

سنابل الشّمس بل ما رام  وانتظرا

من ألف عام يمنّي القلب معتكفا

في إثرها كم تدلى القلب وانشطرا”

       وهو نص طويل أيضا ينساب بين الذات والأشياء، تعمل فيه روح الشاعرة رتقا بين ما يتجلى في ذاتها وما يحيط بها من أشياء. في هذا المقطع القصير من النص نجد إضافة للروح : أفنان-المرج-نجوم الليل – الظل- قصر- سنابل الشمس-لتختمه بالقلب .. والنص يحتاج لقراءة إحصائية تقوم بربط ما ورد من أشياء تشكل الصور المتتالية والمنسابة بما يموج و يمور في ذات الشاعرة التي تحول كل ما تراه وتلمسه إلى شلال جمال منبعه الروح ومصبه أروح وقلوب من يقرأ نصوصها، وهذا كله في لغة هادئة جميلة لا تحاول أن تجعلها  صاخبة تفزع وتنفر رغم مسحة الحزن والأسى التي كست القصيدة من أولها إلى آخرها ولعل هذا سبب من أسباب هدوئها!!

    الذات الشاعرة لا تستكين عند خيرة ولا تتوقف عن التوحد بالأشياء، بل هي تنبعث منها و بها لتقول حزنها وتتعالى على واقعها وتنتظم في سبل الغواية الجميلة بين نقيضين يتكاملان في الحياة، بوح يصنعها وصمت حزين يدفعها لمعانقة الحروف في معان لا تخفى رغم غلالة الغموض لأن من يقرؤها يحس بها بين الحروف في قرب وابتعاد وتوحد وانفصال، تنتظم في قصيد يعمل على أن تكون الأشياء مندمجة في ذات تحس وتشعر أن ما لا يكون متناغما معها لا يعول عليه ، وهذا ما تقوله خيرة في (مناجاة):

“عبِّئ  ينــابيعَ   الكـــلامِ   كغيمة 

ثم ارتفعْ  و  خُذِ  القصيدة  عاليا

هي عند ذاك الباب ترهفُ سمعها 

لاقت    نسيما  رام  قلبًا   صاديا 

هي زهرة ضاق الرّحيل بنبضها 

تطوي لظى الأشواق صحت مناديا “

    تتوحد الذات هنا مع الغيم ومع النسيم ومع الزهر في صورة التشبيه لتبلغ ما تريد من أشجان ومواجيد. ثم تقول من نفس النص:

“مــــا كـان ذنب الرّيح أنك غيمة 

جادت بها الأقدار ترقب مـــا بيا

و نضوت عنّي الشّوق كيف أردّه 

والصّبر قد  ألفى  الصّبابة  غاليا”

    لتكتمل صورة التوحد هنا :

“ضوّي  بعيدا في السّماء كـنجمة 

لتنير أسرار الحياة   تجاهيا

ستؤوب بالأسرار أوّل مرّة 

حتّى    أراك    قصيدتي        و ملاذيا”

    بين ذاتها والأشياء وقصيدتها تلتقي بملاذها وتكتمل الدائرة إذا ابتدأت  بتعبئة القصيد بالكلام وانتهت بكون القصيدة ملاذا 

      وهنا أيضا وحدة أخرى حين يصبح الحبيب والكلام والقصيدة  كلهم ملاذا ومحطة وصول. ويتحقق ما كان عنوانا وهو منجاة الذات من أوصلها إلى الملاذ. 

      و لا يمكن أن ننهي مقالنا إلا بالتوقف عند هذا النص الجميل القائم على المفارقة بين الموت والحياة  في تساكن بينهما وهو هنا قمة توحد الذات بواقع لا يبعث على الأمل ولا يطمئن قلبها الموجوع ولا يفتح كوة على التفاؤل. توحد غريب بين قلب شاعر ينساب حنينا وتفاؤلا  وواقع لا يبعث على ذلك فيغدو القلب في ألمه مندفعا للعيش في موته مرغما  ومما زاد في جماله توظيف قصة ليلى الذئب بشكل رائع حين يكون خيال الذئب معطفا يستجير . تقول خيرة :

“ليلى” رأت في خيال الذّئب معطفَها

قدِ  استجار  من  الرّمضاء  بالشّغبِ

وحين  نادت   على   الأقدار   تنبئَــها

أنّ الخلاص  ترى  في  فورة  الغضبِ

حطّتْ  عناكبُ  حول  الجرحِ  خيمتها

لعابها  يضرم   النيران   في   الحطب

أطيافها    من   قبور   الموت   عائدة

و صوتها   يبرم  الأشلاء    من  لهب

لكنْ   بلاد    أنين    الوجد    يلهبها

إنِ  استفاقت  تعيش  الموتَ  كاللّعب” 

    ما تكتبه خيرة في قصائدها العمودية بصورها اللافتة ولغتها الرامزة وإيقاعها المنساب الرقراق يظهر نضج التجربة واستواءها ويبين قدرة الشاعر الذي تمرس طويلا في كتابة قصيدة النثر. فيكون مبدعا في قصيدة البيت إن توفرت له الموهبة والثقافة واستطاعة تطويع الإيقاع الخليلي للذات الشاعرة فيه !!

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان