فاطمة محسن
أنا التي أبدو هناك ولا أظهر في الصورة، بجانب عمتي عيده وابنها البكر بركة، ذلك اليوم تركتني عمتي صبرية عندهم وذهبت إلى المدينة
هذا ما جاءَ على لسانِ عتيقة وهي تصفُ الصورةَ التي استندتْ إليها الكاتبة في كتابةِ هذه الرواية ، تتحدثُ عتيقةُ دون أن يداخلَك أيُ شكٍ في أنها فعلا صاحبةُ هذه الصورة وكأنها صورتُها الحقيقية، صورة وجدَتها الكاتبة عند صديق تمثلُ زرايبَ العبيد، هي صورة بلا تفاصيلَ كثيرة، لكنَ الكاتبة تلبستْ شخصيةَ الطفلة الموجودة بالصورة دخلتْ عالمَها واستطاعتْ أن تخلقَ منها حياةً متكاملةً من الألم والظلم والقهر، حكايةٌ موجعةٌ في زمنٍ متحولٍ لجيلين امتدا من تعويضة الأم أو العمة صبرية إلى الابنة عتيقة، صورةٌ بالأبيض والأسود تُلقي الضوءَ على قَدَرِ هذين اللونين، قَدَرٌ تصارعُه الإنسانية، منذ جنونٍ ما، جنونٌ حدد مصائرَ البشرِ بألوانِها، تبدأ أحداثُ تلك الصورة في حقبةِ ما قبل الاحتلالِ الإيطالي، أي نهاية القرن التاسع عشر، إبّان انتشارِ العبوديةِ في ليبيا، لكن نظرا للظروفِ السياسية الحالية في ليبيا وظهورِ أنواعٍ جديدةٍ من العبودية، والعودةُ مرة أخرى لبيعِ البشر والمتاجرةِ بهم، أعتقدُ بأن هذا الهاجسَ هو الذي حركَ الكاتبةَ لكتابةِ هذه الرواية، كي تعودَ للتاريخ تطرقُ أبوابَه لتُمسكَ بجمرةِ الواقعِ المعاصر، وبتوافقٍ منطقي تحركتْ اللغةُ في إنتاج النص الذي يغوصُ في التاريخ الثقافي لهذه الجماعات.
جاءت الروايةُ في فصولٍ كثيرةٍ ببراعةٍ مذهلةٍ جمعت الكاتبةُ بين النص السردي والأدبي وبتوافقٍ وتطورٍ منطقي، في حركةِ اللغةِ وانسجامِها مع الشخصيات والمكان وبتداخلٍ جميلٍ نثرت نجوى بن شتون وصلاتٍ شعرية بالدارجة الليبية
ميت موت عليه غزالي
يهبل يا ربي نجيه
غزالي لا ما نسلم فيه
عيوني لو يـــبي نعطيه
هذا الحسُ الشعبيُ جعلنا ندخلُ في عمقِ الشخصياتِ ونتلمسُ الألم،.. تلك الآهةُ التي تَصدرُ من روحٍ معذبة، والتي لا يمكن أن تُقالَ إلا بالدارجةِ المحلية بما يتناسبُ مع الشخصية، ومستوى وعيِها الاجتماعي كما أن البلاغي الفصيح جاء كذلك وفق نسقٍ دلاليٍ وشعري لا يُفقدُنا لَذةَ السرد، حتى نكادُ نشعر برقةِ الشعر بينما نحن في عمقِ السرد *
إنما نحن طفلتان أيها المكان، أيها البحر والسماء والزمان واحدة تنام في الماءِ منذ سنوات، وواحدة تنامُ على اليابسة واحدة بيضاء وواحدة سوداء، واحدة غرقت ولم تؤمن جدتها بموتِها على الإطلاق، وواحدة تريد جدتها أن تدفنها للأبد
جئت لأطفئ ظمأ الحكاية
وفي سردٍ متقنٍ يفتحُ أبوابَ اللغة بظمأ لحكايةٍ تتناسلُ منها حكاياتٌ، كل منها تشير إلى امرأة ما، امرأةٍ تحملُ حكاية، وحين تحملُ النساءُ الحكايا، يتسربُ الألمُ والقهر، من العبوديةِ التي هي وجهُ الروايةِ حيثُ زرايب العبيد، ورغم بشاعةِ كلمةِ العبيد إلا أن اقترانَها بالزرايب زادَها بشاعة، فكأنه لم يكفِ أن نطلقَ عليهم اسمَ عبيد ونسخرَهم للخدمة، بل رحنا نجردُهم من انسانيتِهم ونقربهم من الحيوانات، حين نطلقُ على مكانِ سُكناهم الزرائب، في حقيقة الأمر ،هذا المكان وحسبَ الوصف، هو مكانٌ للماشية، أقربَ منه للإنسان. تدخل الكاتبة زرايب العبيد لتحملَ لنا وجعاً بعد وجع، ولتشكلَ من خلال الألمِ والقهرِ، علامةً دلاليةً للقضايا الإنسانية عامة والنِسْوية خاصة، وسنُدركُ في أثناء فصولِ الرواية، أننا أمام نماذجَ نسائيةٍ مختلفةٍ، تئنُ تحت وطأةِ جسدِها في مجتمعٍ يراكمُ فوق عبوديتِه عبوديةً أخرى، يقعُ أثرُها على المرأة، ولأن حقوقَ النساءِ نُوِمتْ كثيرا قبل أن تتعلمَ المرأةُ كما جاء في الرواية، ولأن الخرافةَ ضروريةٌ كالعقيدة، بل ملحّةٌ لتغطيةِ ما لا يمكنُ الإفصاحُ عنه تحدثتِ الروايةُ عن التقفيلِ أو التصفيحِ، وهو طقسٌ يتم لحمايةِ الفتاةِ من فقدانِ عذريتها
(شبهُ تعويذةٍ سحريةٍ تُبطلُ انتصابَ الزاني وتُحرمُ الزانيةَ الاستمتاع)
العذريةُ التي يخشى الجميعُ أن تُسلبَ من الفتاةِ إلا بمباركةِ الجميع في اللحظة التي يحددُها الجميع، لا في اللحظةِ المناسبة (اللحظة، لا أعلم لماذا لا تكون اللحظة المناسبة هي اللحظة التي يباركونها جميعا ص 48) أما وقد تم تحديدُ اللحظة، فلا بد من اثباتِ شرفٍ تحملُه خِرقةٌ بيضاءُ ملطخةٌ بالدم، وكم من دماءٍ لنساءٍ سالت، وأرواحٍ أُزهقتْ، بسبب ثقافةٍ بدائيةٍ يحكمُها العرفُ والسلطةُ الاجتماعية، كما أن الحاجةَ وقلةَ الحيلةِ أو عدمَ الرضا بالذلِ والمهانة، قد يفرضُ على المرأةِ واقعَ أن تكون بنتَ هوى، أو مغنيةً يرفضُها المجتمع، ويحيطُها بازدراء، كما في شخصيةِ درمة وتفاحة أو الكويسات بناتِ بابِ الله (لا أحد يتزوجُ من مغنيةٍ وإن كان أسودَ مثلها، الغناءُ يحولُ المرأةَ لساقطةٍ تحت الطلب)
إن العلاقاتِ الإنسانية حين تُربطُ بالنبذِ أو العقوبة، وتخضعُ لشروطٍ ورقابةٍ خاصة، فهي عندئذ ٍلا تستندُ إلى شريعةٍ ولا قانون، بل تستندُ إلى عرفِ الجماعاتِ وسلطتِها، فلا شيءَ يصمُدُ أمام العرف. تتطرقُ الروايةُ لذاك التصورِ الخاص عن المرأة، كحبلِ غوايةٍ يقودُ إلى الهاوية، ويبعثُ على الشقاء، فتسعى العائلةُ لإخمادِ النارِ التي تُشعلُ قلبَ العاشقين بمحاولاتٍ متواصلة لقتل هذا العشقِ عن طريقِ إجهاضِ الأمِ وجلدِها وقتلٍ لطفلٍ بريء، ثم إبعادٍ مجحف، هذه العلاقةُ محرمةٌ في ظلِ تراثٍ شب على تقسيماتٍ طبقية، فالعبوديةُ ظلت برُغمِ الإسلام الذي لم يُشرِّع الرق، وإنما شرع العتق، وهذا موضوعٌ يختلفُ فيه كثيرون، وهو مثارُ جدلٍ دائم، ورغم ذلك بقيت العبوديةُ حتى وقتِنا الحاضر، رغم أن الاسلامَ أراد إنهاءَ الرقِ وتصفيته بشكلٍ مُتدرجٍ لا يعرض المجتمعَ لهزةٍ عنيفة، إثرَ إلغاءِ الرق، وتغييرِ نظامِ المجتمع، ولا أعرف حقيقةً لماذا مازلنا نرزحُ تحت جحيمِ العبوديةِ رغم أن الإسلامَ والمعاهداتِ السياسيةِ والدوليةِ ألغت الرق، إلا أن الرقَ والعبوديةَ استمرا بكل أشكالِهما الواضحةِ والخفية (لا أحد حر صدقني، لا يوجد إنسانٌ حر، فقط يختلفُ المسجونون وتتباينُ السجون) وبقي العتقُ رهن إرادةِ السيد (كل العبيدِ يحصُلونَ على حريتهم، إما كهديةٍ من أسيادِهم على عملٍ قدموه، أو على إثمٍ ارتكبَه الأسيادُ ويريدون التكفيرَ عنه).
في زرايب العبيد الفقرُ والحب، الخوفُ والمرض، الخرافةُ والمثلية، الاغتصابُ ثم الحمل، وجهلُ النسبِ أشباحٌ تطاردُ ضحاياها فيصيبُهم بوري العبيد أو (عرة العبيد) كما نسميها، هذا البوري الذي أفسرُهُ بمتنفسٍ عن الضغوطِ التي يعانيها الإنسانُ، فلا يجدُ غيرَ الانفجارِ والغضبِ الأعمى، ليفُكَ عن نفسه هذه الضغوط.
الحب بين العبودية والحرية
يقول فيكتور هيجو (تبدأ الحرية حيث ينتهي الجهل)
في العلاقةِ المعقدةِ بين محمد وتعويضة هناك خيطٌ رفيعٌ يقطعُ هذه العلاقةَ ويمزقُها، العلاقةُ التي بدأت بالجنس بفكرةِ التجربة، تجربةٍ مبنيةٍ على فكرةٍ شائعة، وهي أن قوةَ الجنسِ مرتبطةٌ باللون (اووه يابنَ عم ، ماذا أخبرُك عن تلك الروحِ الحارةِ عندما تكونُ في حُضنِ امرأةٍ سوداء ، أيُ نشوةٍ كالسُكْرِ تأتيكَ معهن،فلا تتمنى أن تبارحَهن أو يبارحْنَكَ أبداً) وبغض النظر عن صحةِ هذه الفكرةِ التي تؤكدُ شهوانيةَ المرأة السوداء، فإن محمد ذهبَ لتعويضة بتلك الفكرةِ محموما ومتأثراً بما سمِعه، محمد الذي كان يأنفُ من معاشرةِ العبيد والذي كان عليه الاغتسالُ من رائحتِها وطردِها ونزعِها عن جسده، محمد الذي لايجدُ في نفسه ميلاً للنساءِ السود، حين فكر في الاقترابِ منها أهداها مايُزيلُ أثرَ تلك الرائحة، وطلبَ منها أن تتزينَ بالحنة
فماذا وجد عند تعويضة ؟
وجد جاريةً مطيعة ( الطاعة الجارحة) جاريةً لاتستطيعُ أن تقول له لا. تلبي له كلَ رغباتِه في أسوأ ظروفِها، إمرأةً ليست حرة، ليست ندا له، إنها عبوديةٌ جديدةٌ يقتربُ منها ويتذوقُها. العبودية الجنسية
ماذا وجد محمد عند تعويضة؟
إمرأةٌ لم يقتربْ منها رجلٌ لا أبيضَ ولا أسود، لها مالغيرِها من الرغباتِ في معاشرةِ رجلِ يرغبُ بها، لجسدِها حاجاتُه ورغباتُه المكنونة، وجد عندها الرغبةَ القويةَ وعدمَ الممانعة
ماذا وجدت تعويضةُ عند محمد؟ وجدتْ أخيراً من يقتربُ منها. وجدت الطريقَ و المتنفسَ لاطلاقِ رغباتِها، كي تشعرَ مثلَها مثلَ بقيةِ النساءِ المحيطاتِ بها.
اعتقدت تعويضةُ أن محمداً يحبُها تماماً، كما اعتقدنا، لكنها بمرورِ الوقتِ وبخُذلانِ محمد المتكررِ وأنانيتِه المُفرطة، وتعريضِها للكثيرِ من الألمِ والعذاب ،بأنانيةٍ متوحشةٍ منعها من الخروجِ لاعادةِ اللحمِ إلى مكانه، حتى لا تأكلُه القطط. وعدها بحلِ المشكلة، ثم تركها وغادرَ لتعاني كلَ المعاناة من جلدٍ وموتٍ لصغيرها
حين بحثَ عنها كان يبحثُ عن متعتِه، لا عن زوجتِه أو حبيبتِه. كان أضعفَ وأجبنَ من مواجهةِ أهله والاعترافِ بابنه الذي تركهُ للموت، وتركها للضياع تعويضة التي عانت في بيتِ بناتِ بابِ الله، ذل العبوديةِ على يدِ الفقي الذي مارسَ انتقامَه من محمد بها
غادرت تعويضةُ الماخورَ مع كلمة ( أريدُ أن أكونَ حرة) حريةٌ دفعتْ ثمنَها غالياً اختارتْ أن تكونَ حرةً في العيشِ بعيداً عن كلِ عبودية، حرةً بمسؤليتِها تجاهَ مُفتاح وعتيقة، هذه المسؤوليةُ التي جعلَتها مختلفة. تعويضة أخيرا حرة في علاقتِها بمحمد، فهي ليست غَرَضاً يمتلِكُه محمد، بل هي تتسرى به كما يتسرى بها، لم تعد تخضعُ للحاجةِ إليه
أنا لا أريدُ منكَ شيئاً، لا من مالِك الذي زاد، ولا من عقارِك الذي اتسع ، إن اعترفتَ بالبنتِ أو لم تعترفْ، فهي ابنتُكَ أمام الله ، إن لم تفعلْ سوف أسجلُها باسمي كما يُسَجَلُ الرقيق، ولن أتخلى عنها لك، لأنكَ لستَ قادراً على حمايتِها أنت خليلي فقط .
يعيشُ المرءُ مُعتقِداً أنه تعلم كلَ شيء، وعرفَ كلَ شيء، لكنه خلافاً لذلك، يكتشفُ أنه سها عن معرفةِ أبسطِ الأشياء، ولم يلتفتْ كي يفهمَ أشياءَ كانت جاهزةً للفهم، تناسى أو تجاهلَ، وسقطَ الاهتمامُ بها في خِضمِ اهتمامِهِ بغيرِها، حتى تلاشتْ وغابتْ عن السمعِ والبصرِ والتفكير.
هنا ينتهي الجهلُ وتبدأُ الحرية.
نجوى بن شتوان بوعيٍ تامٍ وبدونِ قيود، تكلمتْ عن الحبِ والحرية، عن العبوديةِ وأسواقِ النخاسة، عن ازدراءِ الأديان الأخرى، وعن الصوفيةِ كملاذٍ للتائبين. نقلت الروايةَ من متنِ التاريخِ، مستلهمةً حكايتَها من صورةِ أعادتْ تشكيلَها حيثُ اقتربتْ من هذا العالم، بعينٍ راصدةٍ وقلبٍ حكيم، رصدت بشكلٍ تاريخيٍ واجتماعيٍ وبمُتَخيَلٍ غالب، لمجتمعِ العبيد، أعطى للروايةِ هذه القيمة، وربما خاطبتْ نجوى بن شتوان نفسَها وهي تنظرُ الى الصورة: ماذا لو كنتُ أنا عتيقةَ بنتَ تعويضة ومحمد بن امحمد بن عبد الكبير بن شتوان؟









