ثقافية

(6) قصص خطيرة جدا

أنمار رحمة الله

   

الصياد والسمكة 

 

الصّياد البائس الذي أنهى ثلثي حياته مهرولا ً في درب الضياع والأماني الفارغة، جلس هذه المرَّة لاختبار حظه، حيث دسَّ صنارته في قلب الشاطئ الصامت كالقبر، وهو ينتظر فجر حظه الغائب. غمزتْ الصنارة/أخرجها ملهوفا، وإذا بها سمكة مليئة بالتقرّحات /الجروح/الكدمات/الصَّدمات النفسية والضياعات، سألها: مابك ِ) أجابته: لقد عشت ثلثي حياتي في بؤس وشقاء،من فكِّ سمكة كبيرة إلى فكِّ سمكة أكبر، وها أنت فسحت لي المجال لأستنشق رائحة الحياة في درب صنارتك المميت،أرجوك لا ترجعني إلى الماء،وفرّقْني لحما ً في بطون البشر،واصنعْ لي من مِعَدِهم ملاذا). سرح الصيادُ كثيراً، طافت على كعبة خياله الأفكار العارية. لم يفعل شيئا سوى أنه رمى بالسمكة على الجرف وهي تتقلّبُ فرحا ً. 

بعد ثلاثة أيام انتشل المتجمهرون على الشاطئ جثَّة ً طافية ً. 

 

شبحان 

كلاهما يحدّقُ في الاخر،هو والشيطان جالسان على طاولة ٍ متهرئة ، يملأ المكانَ دخان ٌ /عتمة/ضوء ٌ خافِت مُتدلٍّ من السّقف، وعواء ٌ لذئب ٍ بعيد، يُسري قشعريرة ً في جسد الليل المنهك. هو يبكي/الشيطان ُ يضّحك، هو أبلجُ كالصبح/وقرينه حالك كالديجور، هو طفلٌ /وهذا يقتنصُ فرصة ً لذبح ِ الطفولة،لم يبق له على طاولته القابعة سوى (كش ملك)،يرددها الشيطان في كل لحظة.مع كل نفس يخفت في رئة الخاسر المخنوقة. 

ينهضُ الاثنان، يتصافحان، يخرج من الكوخ النائم شبحان أسودان، تحالفا على افتضاض بكارةِ مدينة ٍ فاضلة. 

 

في تلك الليلة 

جفافُ شفتيه ورغبتـُه في مفارقة سريره العتيق، دفعاه في الساعة الثالثة بعد منتصف العمر، إلى التّوجّه نحو الثلاّجة القابعة في زاوية الصّالة المنزلية، بلَّلَ ريقـَه الملتهب برشفات ٍ متقطعة ٍ من الماء، راشقا ً الساعة المعلقة بنظرة ٍ خافتة، ومن ثمَّ واصل مسيرَه نحو غرفته الصامتة، تسمَّر في مكانه حين تفجَّر في أذنيه صوتُ طرقات ٍ خفيفة ٍ وبطيئة ٍ على بابه الخارجي، مثيرة ً في جوف ِ شعوره جيشا ً من الأسئلة. من الذي يأتي في هذه الساعة المتأخِّرة .؟) سأل نفسه وهو متَّجه ٌ في ذعر ٍ ناحية َ الباب مخاطبا ً من خلفها في حذر وترقب : 

من؟ من الطارق؟ 

بادره صوت خفيض : 

أنا 

من أنت ِ 

طفلة 

هل تمزحين؟ 

أرجوك أنا تائهة 

من سقاك ِ التيه؟ 

…! 

أنا محرومة… 

من حرمك ؟ 

…! 

أدخلني… 

لا…اذهبي بعيداً 

لا استطيع 

لا تسـتطيعين ؟لماذا ؟ 

لأني طفولتكْ… 

 

البائع المتجول 

حينَ أوقفَ الغريبُ بائع َ الأوطان ِ المتجوّل، وسأله عن وطنٍ زائد ٍ للبيع، أجابه البائع ُ ببرود : 

فتـّشْ في العربة ِ لعلك َ تحصلُ على وطن ٍ يفي بالحاجة. 

فتـّش الغريبُ، فوجد وطنا ً بلا عين ٍ، وآخر بلا ساق ٍ، وآخر بلا رأس. سأله :

هل يوجد لديك وطن ٌ كامل.؟ أجابه البائع : 

لقد بيعت كلها … آسف… اين كنت يا رجل ؟ أجابه الغريب : 

كنتُ في سوق ِ (الهرج )، أبيع وطني المشلول. 

دعوني أغرد 

أعوام ٌ والبلبلُ يغرّدُ على شجرة ٍ في حديقة، حين رجعَ البلبلُ ذات يوم، وجدَ الحديقة َ صارتْ مركزا ً لبيع أشرطة الأغاني الــســـخـيــ… ؟!بعد أيام وجدوا البلبلَ معروضا ً للبيع في محل ٍ للحيوانات ِ المحنطة. 

 

اليوم السابع 

 

تملؤهُ سعادة ٌ غامرة بشرائه حاسوبه الجديد، متَّجها ً لمنزله القابع في آخر الحيّ. لِيُدوّن َ في ذاكرته الالكترونية حاجياتـه/أشواقـَه/أحاسيَسَه/ومشاعَرهُ الدفينة المتوهجة. 

اليوم الأول: فشلَ في ترتيب صور أيامه الغابرة 

اليوم الثاني: لم يستطع تعلّم حذفِ الملفات ِ المحزنة 

اليوم الثالث: خرج منذ الصباح تاركا ً الحاسوبَ وحيدا ً 

اليوم الرابع: أقسمَ على تدوين ِ مشاعره المتلهّفة 

اليوم الخامس: ذاكرة ُ الحاسوب ِ تعاني عطلا ً في التخزين 

اليوم السادس: الترابُ يملأ الحاسوبَ، وبقايا لسجائر مبعثرة على الطاولة 

اليوم السابع: يـُخْرِج ُ الناسُ من المنزل ِ حاسوبا ً فارغاً، وتابوتا ً مملوءاً.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان