يوسف عبود جويعد
وفي مجموعة القصائد الشعرية النثرية (بريد الفتى السومري) للشاعر عدنان الفضلي، نكون مع الشاعر السومري، الذي يرتبط بهذه الحضارة، كون موطنه ومسقط رأسه هي محافظة ذي القار ( الناصرية)، التي ظهرت فيها هذه الحضارة العريقة, والتي رفدت العالم بشتى أنواع العلوم, حيث يقدم لنا في هذه المجموعة نصوصه الشعرية النثرية عبر بريده المتصل بجذورها، قلباً، وكياناً، ووجداناً، وروحاً، فتكون منبع هذه النصوص عميقة وغائرة في القدم, وهي اتصال يمتد ليرتبط بواقع الحياة، ليؤكد لنا من خلالها أنه قادم من هناك، لكنه ظل متعلقاً بمدينته، وناسها,وطبائعها,وحياتها, وتقاليدها, وطقوسها, وافراحها, وأحزانها,وهذا ما أكده الإهداء الذي سوف نمر به مستهل أول, وهو العتبة النصية الموازية التي تمنحنا الخطوة الأولى للدخول للرؤية الشعرية ومعرفة السياق الفني الذي اتخذه الشاعر لتكوين وتشكيل رؤاه.
( الى المدينة السومرية العتيقة (الناصرية)
التي علمتني مالم أعلم.
والى الشرفاء الذين أنجبتهم وفي مقدمتهم عقيل الناصري وسهيل عبدالله واحمد علوان فارة. )
ثم وفي خطوة ثانية, نجد المقدمة الشعرية التي دونها الشاعر تحت عنوان (الناصرة التي في العلا)، وهي طواف معمق في هذه المدينة من أجل تثبيت وترسيخ تلك الرؤية التي ارادها الشاعر أن تكون الصفة الغالبة لنصوصه النثرية الشعرية، والتي تمنحنا فرصة جديدة للدخول في عالم هذا الفتى السومري.
( ربما تسمع وأنت ذاهب الى الناصرية، أصواتاً لم تسمعها لا عليك..
قبلك تحدثت (أجاثا كريستي) عن القطارات الصاعدة من البصرة الى بغداد
وهتفت ” يا الله .. يا الله حتى أصوات القطارات تتغير حين تمرّ في الناصرية”
* * *
في الطريق الى الناصرية ..
ستجد آثار البساطيل على طول الطريق
هي ليست للجنرالات..
إنها آثار (المكاريد) السومريين..
الذين لايجد المخنثون، حطباً لنيران حروبهم المتناسلة غيرهم
واينما تلتفت في ذلك الطريق..
ستشم رائحة شواء، تنبعث من قلوب الأمهات والعشيقات
كون نارهن أزلية متقدة بوقود الفقد) ص 8
وهي انثيالات وتداعيات شعرية حسية عميقة, تقدم معلومات كبيرة عن هذه المدينة وسكانها وحياتها, وبيئتها, وطبائعهم, ومدى ارتباطها بالحضارة التي نشأت فيها,حضارة سومر، وهو تمهيد موفق لكي نواكب هذا الاحساس الذي يجتاح الفتى السومري, وهو يقدم رؤاه الشعرية التي هي انطلاقة تبدأ من منبع هذه الحضارة المتجذرة فيه.
وهكذا فإن تلك العتبتين النصيتين الموازيتين، تعدان بمثابة تمهيد من أجل تهيئة المتلقي وهو على علم بأنه سوف يطوف في نصوص شعرية تنبع من تلك الحضارة عبر هذه المدينة، ومن خلال أحد ابنائها, ليقدم لنا بريده الشعري المتصل بسومر،
وتؤكد قصيدة (بريد الفتى السومري) والتي حملت المجموعة الشعرية اسمها عنواناً لها, لتكون بنية العنونة متصلة بمتن تلك النصوص، وتعد جزءا منه، لأننا سنكون مع الفتى السومري، وهو يرحل بنا بتفاصيل توضح لنا حياة بلاد سومر.
لي .. ممكنات العشق والخبل
ودوني .. هذيانات الذين تراخوا عند مدخل الإرتقاء
بكفّي.. قبضت على غيمة وردية
سحبتها الى حقل اشتهائي.. فأمطرنا معاً
بعيني.. رمقت نجمة في أقاصي الجنوب
فانعكس الجنوب بريقاً في مقلتي
لي .. دخان قلوب العذارى
أستنشقه .. فتبرد رئتي والحنين
لي عام تقوّست ملامحه
وهكذا نكتشف، ومن خلال رسم الملامح الشخصية لهذا الفتى السومري الذي يتسلل لكل نص من تلك النصوص, وهو يطوف يدخل الماضي العتيق ليستحضر تلك الحضارة ماثلة للعيان, ثم يغطيها بطبائعه وسلوكه المتصل بتلك المدينة، من أجل أن تكون تلك النصوص متجذرة ومنبعثة من تلك الفضاءات المنيرة, أي أنها تحمل عمقاً تاريخياً كبيراً، وهذا العمق متصل مرتبط بواقع الحياة العصرية, ليقدم النصوص عبر تلك التركيبة الشعرية الحسية الواعية.
في قصيدة (شتاء معتّق ومطر مختمر) نجد هذه الرؤيا واضحة,وهي سياق فني متبع في تلك النصوص من أجل ترسيخها وتثبيتها, فتكون بذلك تلك النصوص مغايرة وتحمل صفات وسمات وسلوك وحياة هذا الفتى القادم من بلاد سومر.
سأمشط أرض السواد
بوابل من حروف سومرية
وأمنح الذين ينحتون جمالهم
بعض أقمار تتراشق بالغيوم
أحثهم..
أن يفتحوا النوافذ الزهرية
لاستقبال المطر المختمر
المعبأ بقوارير من ثلج
كي أستمر..
وهكذا فإن هذا الحب، وهذا الهاجس المجنون, الذي اجتاح روح ووجدان الشاعر حباً لمدينته الناصرية التي تعد مهدا لكل الحضارات, هو ذاته هاجسه الشعري الذي ولج نصوصه الشعرية, مؤكداً فيها هذا الحب بكل مايحمل هذا الشعر من جنون, انه الجنون السومري الذي ينصهل ويتفاعل ليقدم لنا تكوينا وتشكيلا شعريا ينحى هذا المنحى الجميل .
وفي قصيدة (شَعْرُ بناتِهِ) ندخل أكثر عمقاً في هذا الجنون, وهذا الحب الابدي، الذي ينطلق من روح ووجدان الشاعر، ليصل إلينا انثيالات شعرية هائمة بالوجد.
كم سلة مهملات يحتاج..
لينظف عقله من الشعر؟
كم من أرض يوقظها..
حين يريد الاستلقاء؟
كم منزل لم يألفه..
قادر على احتواء اسئلته؟
كم من وطن غادره..
يستطيع إقناع قلبه
انه الحبيب الأخير
للناصرية..؟
وكما أن حالة الحب التي اجتاحت وجدان الشاعر لمدينته ومرتع الحضارات، قد طغت على نصوصه الشعرية، فإن هاجسا آخر وكبيرا وحزينا ومؤلما، قد تأثر به الشاعر بسبب فقده لإبنه (غزوان) الذي هو فلذة كبده,وظل هذا الحزن هاجسا يطوف معه في حله وترحاله، وتعد قصيدة (كيف..؟) والتي هي اسئلة الى ولده الراحل غزوان، من أعمق ما كتب عن فقد الابن والاثر الذي خلفه هذا الفقد، حيث أنه مازال يقطن في ذاكرته، وما زال يعيش معه رغم رحيله، ولاما زال يتفقده رغم فقده.
كيف النسيان..
وصرير الاب يذكرني
انك آخر من يسمّر وجه الليل
وأنك وحدك لا شريك لك..
في الهمس قبيل الفجر..؟
***
كيف أتقبله
عمر خال من شكواك
وساعات الليل..
المليئة بقلقي من جنونك..؟
***
كيف سأحرسها..
قافلة امنياتك المسرعة
وأنت الذي سحبتني
لصحراء الفقد القاحلة..؟
وتستمر تلك القصيدة بهذا البوح العميق, النابع من الحزن الكامن في داخل الشاعر لفقده ابنه (غزوان).
ونرحل في قصيدة ( دون المخفي من البياض) مع ما تبعثه تلك العلاقة الازلية بين المرأة والرجل، وما تعنيه المرأة عند هذا الفتى السومري ونحن نقلب بريده.
من أول لؤلؤة
محشورة بين حبتي العنّاب
الى آخر نظرة اسددها
دون المخفي من البياض
ما زالت شفتي تحتدم بنقاش
عن فحوى النهدين المختبئين
ضمت المجموعة الشعرية النثرية ( بريد الفتى السومري) نصوص متعددة ومختلفة ومتنوعة، تحوي خطاباً تاريخياً مهماً يتصل بتلك الحضارة السومرية الغائرة في القدم, لينبثق منها هذا الفتى السومري معلناً حبه المجنون لمدينته الناصرية التي انشئت فيها تلك الحضارة, وهي باقة من النصوص التي وفق فيها الشاعر بتوضيح سياقها الفني، ورؤاه الشعرية المتجذرة من تلك الحضارة الكبيرة.









