حازم لعيبي
غالباً ما يختلف او يتفق الناس بالرأي، يتحاور البشر ويتناقش فيما بينهم بكل انواع و اشكال الاتصال، و الحوار فن يعتمد من جانب على الإنصات، ومن جانب آخر على الكلام او عرض الفكرة او العكس، و كلما كان اي من الطرفين يمتلك مهارة و ممارسة و مقدرة للاستماع الى الآخر، و بالتالي يمنح فرصة طرح الرأي بطريقة سلسة كانت الفائدة أكبر و أغنى و ذات جدوى. برأينا المتواضع الجلسات و الحوارات الهادئة حتى و ان وصل بها الاختلاف أقصى الدرجات و عدم التوافق ، ستكون بالنهاية منتجة . و بالأخص للطرف المحترم ، الطرف الراغب بالتعلم من الآخر أياً كانت نوعية الطروحات .
في كثير من الحوارات نسمع عبارة ” اختلاف الراي لا يفسد للود قضية ” . والعبارة أصلاً مقتبسة من بيت شعر ورد في مسرحية أمير الشعراء أحمد شوقي ” مجنون ليلى ” و هو ضمن ثلاثة أبيات على هذا النحو :
ما الذي أضحك مني الظبيات العامرية / ألأني أنا شيعي و ليلى أموية / اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية… الخ القصيدة ، والسؤال هل حقاً اختلاف الرأي لا يفسد؟ أو اختلاف الرأي يفسد الود وكيف يود بعضنا البعض الآخر على هذه الارض؟ ، صحيح أم خطأ لا ندري , خلقنا مختلفين طبعا .
برأينا المتواضع ان الاختلاف ضرورة وجودية و اجتماعية و سياسية، هناك الطرف و الطرف الآخر، و الرأي و الرأي الآخر، السؤال الأهم هل ضرورة الوعي بالاختلاف بحاجة الى ممارسة اجتماعية ؟ ولِمَ يصر البعض على رأي غير راجح ؟ نحن نرجح اختلاف الناس رحمة لو كان لا يفسد للود قضية .
غالبا ما أردد لمن اعرفه: لقد تغيرت كثيرا خلال سنوات الهجرة و تعلمت كيف اطرح أفكاري مختلفاً او متفقا ، و الحقيقة انني قد تمرنت كثيراً على ذلك و بشكل يومي تقريباً مع زوجتي ، أطفالي ، أصدقائي ، زملاء العمل و الدراسة ، و كذلك كل من التقيه و تجمعني و أياه محاورة عامة ، شخصياً اعتبر مثل هكذا لقاءات فرصة للتمرن على فن الحوارات العامة ، و بدلاً من التخوف من قول الحقيقة أحاول بكل ما أتمكن من التعبير عن أفكاري بطريقة مهذبة ، مسيطرا على الأفكار و بلغة بسيطة ، مصغياً الى الآخر و أسئلته و استفساراته ، مبتعداً عن ثقافة اللف و الدوران و عرض الأفكار و الوقائع بطريقة غير واقعية .
ان سحنتي و لون بشرتي الأسمر تدفع بكل من أقابل لسؤال إجابته بسيطة ، لكن بعد الإجابة عليّ أن أفتح أبواب حوار عن بلدي الأصلي: العراق ، وكل من يبادرني بسؤال من اين انت؟ ليردفه بعد اجابتي؛ انا من العراق، بتساؤلات عدة و استفسارات لمعرفة ما هو مجهول و غامض بالنسبة له ، في السنوات الأخيرة ، و بعد الحوادث المأساوية الكبيرة و التقدم التكنولوجي الكبير ، دفع بالكثير من الأمريكان للاستزادة و التعلم من أمثالي ، و كون المجتمع الأمريكي تربى على تلقي المعلومة من مصدر واحد ، هذا المصدر و لحد فترة قريبة يعد الوسيلة الرئيسية المعتمدة ، “الكل هنا يثق و يعتمد على CNN و FOX ( ما يدوخون راسهم بالقال و القيل )” ، بعد حرب 2003 بدأ المواطن الأمريكي يتساءل و يستقصي بنوع من الحرص و الفضول ، ويحاول ان يذهب الى مصادر الأحداث نفسها سواء من خلال وسائل الاتصال الاجتماعي او الحوار المباشر لو توفرت فرصة لقاء بالقادمين الجدد ، و لديهم معلومة قد تفيد . تراهم يجيدون الإنصات الى الآخر و احترام رأيه و التعلم منه ، و سواء اتفق او لم يتفق مع وجهة النظر يقوم في النهاية بالتعبير عن احترامه بطريقة مهذبة جداً ،
منذ فترة حدث ان التقيت بكاتب أمريكي نشر أكثر من عشرة كتب و حصلت بعض كتبه على افضل مبيعات لسنتين متتاليتين ، وكان آخرها” أسئلة الحياة الكبيرة: مئتا طريقة لإكتشاف الحياة الروحية” ، حينما تحاورنا عن حروب العراق و الإرهاب و الهجرة و المهاجرين ، كان المنصت و كنت المتحدث ، كان السائل و كنت المجيب ، بعد ان توالت اسئلته عليّ أخذ دور المستمع و أجاده . و انا أجيبه عن أسئلته خانتني و لم تسعفني اللغة في بعض الاحيان لنقل الصورة الحقيقية و بالطريقة التي وددت ان تكون ، كنت اكثر رغبة في ان أجيبه باللغة العربية ، لغتي الأم ، رغم اجادتي للإنكليزية .
كم تمنيت لو كان صديقي يعرف العربية ؟، ونقلت له رغبتي بذلك له أثناء الحوار، ليرد علي بودٍ كبير: لست بحاجة الى ذلك ، أنني معجب بأفكارك و سهولة عرضها ، قال لي: لغتك رغم اللكنة الشرق أوسطية ممتعة و مفهومة جداً.
نقل لي؛ حجم المفاجأة الكبير لما سمع مني ، قال بالحرف الواحد: رغم ذلك أنا مسرور جدا منك و مما سمعت من آراء ، و بالأخص تلك التي أشرت فيها كيف صار العراق في السنوات بعد ٢٠٠٣ مثل مغناطيس جاذب للإرهاب ، بحيث جُِذب الإرهاب من أماكن مختلفة لمقاتلة الأمريكان على ارض العراق ، مما تسبب بمقتل مئات الأبرياء . بعد الأخذ و الرد و في آخر المطاف نقلت له لِمَ يترحم العراقيون لأدارة الرئيس الامريكي السابق ، و كم هم ممتنون لجورج بوش الابن ، كونه أطاح بطاغية العراق و نظامه ، إذ قدم ما لم يتمكن احد من تقديمه لهم ، وهم الآن يضعون اول خطوة في رحلة الألف ميل .
كان إحساسي طيلة المحاورة مع جوناثان روبنسون ، انه غير متفق مع بعض انطباعاتي عن عراق اليوم ، رغم أني حاولت و بأمانة نقل الوقائع و ما يحدث كما هي دون انحياز لطرف دون آخر ، او حالة اجتماعية او مشهد معين ، نعم ، قد حاولت النقل بطريقة عادلة نسبياً ، في أماكن عديدة من الحوار اختلف معي السيد روبن سون ، مع هذا انتهينا الى مصافحة و قدم لي الشكر و كل الأمتنان مذكراً إياي بما قاله غاندي: الاختلاف في الرأي ينبغي ألا يؤدي الى عداء و إلا لكنت أنا وزوجتي من ألد الأعداء .





